منعه أن يقع في المعصية، وإلا {وَهَمَّ بِهَا} الصواب أنه همّ بها، أي: وقع في قلبه ما يقع في قلوب الرجال من جهة النساء؛ ولكنه رأى برهان ربه .. هذا فضلٌ إلهي.
{لَّقَد تَّابَ اللَّهُ} التوبة هنا هي منع الوقوع في المعصية؛ ليست التوبة فقط في كون العبد يتوب بعد أن يقع في المعصية، ولكن كذلك من توبة الله على العبد وعلى الجماعة أن يمنعهم من الوقوع في المعصية قبل أن تقع .. ولذاك قال الله عز وجل: {لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ} تاب عليه، لم يقل:"ليتوبوا"لم يقل، لأنه لم تقع منهم المعصية، إنما"تاب الله"منعهم، لم يقل:"ليتوبوا". ولكن بعدها {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا} لأن المعصية قد وقعت.
وقال في الحديث عن غزوة أحد كما في سورة آل عمران: {إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا} بيان ما وقع في النفوس؛ {هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا} قبيلتان من الأنصار كاد أن يقع منهما الخُلف {أَن تَفْشَلَا} ، ولكن الله مدحهم .. قال جابر:"ما يسرني إلا أن نزلت هذه الآية فينا"أحب ذلك لقوله تعالى: {إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا} ؛ يعني: كاد أن يقع الفشل، لكن لأن هؤلاء أولياء لله حال بينهم وبين الوقوع في المعصية.
هذا من رعاية الله لهذا الجيل العظيم؛ وهذا له فائدة فيما سنتحدث، كيف تتحقق التزكية مع غياب النبي صلى الله عليه وسلم؟ ولكن الآن لابد أن نبين أن وجود النبي صلى الله عليه وسلم في الصحابة عامل مهم في إنشاء هذا المسلم الصحابي؛ الصحابي رضي الله تعالى عنه كان ينظر إلى عبادة النبي صلى الله عليه وسلم .. هذا عجيب!! رجل غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومع ذلك يقوم حتى تتفطر قدماه!! فتقول عائشة: غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! قال: «أفلا أكون عبدا شكورا؟!» . هذا نموذج نبوي تعيشه عائشة وترويه لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .. ويرون قيامه صلى الله عليه وسلم، ويرون عبادته؛ عبد الله بن مسعود -هذا الصحابي الجليل المهاجر- يصلي وراء النبي صلى الله عليه وسلم، فيفتتح النبي صلى الله عليه وسلم سورة البقرة، فانتظر ابن مسعود النبي أن يركع عند المائة، فيكمل النبي صلى الله عليه وسلم؛ يقول: يركع عند المائتين، فينهي البقرة ويبدأ بالنساء، وهكذا .. ؛ قال: حتى هممت بأمر سوء!!! ما هو يا ابن أم عبد؟! قال: أن أجلس وأدعه. قرأ صلى الله عليه وسلم -ومعه من يسمع له .. ليست قراءة لنفسه فقط، لو قرأ المرء لنفسه يمكن