الحلقة العاشرة:
علم المناسبة في سور مختلفة
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا؛ من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ صلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحبه الغر الميامين، وعلى من تبعهم بإحسان وهدى وتقى إلى يوم الدين؛ جعلنا الله عز وجل وإياكم منهم، آمين آمين.
من العلوم التي يمكن للمرء أن يتعامل مع القرآن الكريم من خلالها -لإدراك مقاصد السور الكلية، أن يقرأ السورة قراءة الموضوع الواحد- هو أن يقرأ السورة من خلال سياق أقرانها من السور؛ وهذا أمر ربما ينكره البعض، لأن علم المناسبة أصلًا أنكره بعض أهل العلم كالعز بن عبد السلام، وهناك من تكلف الكثير في ذكر المناسبات؛ والظاهر أن الإمام العز بن عبد السلام رحمة الله عليه أنكر هذا لما رأى هذا التكلف، وثانيًا: لأنه يقول: إن هناك السور الطويلة -السور الطوال المعروفة- هناك تكلف في ذكر المواضيع فيها، فالأحكام -كما نرى في البقرة مثلًا- نرى أن هناك ثمة أحكام متوالية: الكلام عن الجهاد، الكلام عن النساء والطلاق والزواج، كلام عن الحج، كلام عن القصاص؛ فما هو الجامع؟؟ فيقول: هذه من الصعب أن تجد الرابط بين الآية والتي تليها؛ فلذلك أنكر هذا العلم -علم المناسبة-.
ولا شك أن هناك ثمة تكلف -مرات- في ذكر بعض المناسبات بين الآية والتي تليها؛ ولو وضعت معنى المناسبة في الإطار العام أنه حديث عن الأحكام، كما نرى في سورة"المائدة"تذكر فيها الأحكام،"المائدة"من بدايتها {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} ؛ مع أن فيها كذلك الحديث عن عيسى عليه السلام، والحديث عن أهل الكتاب وعن تغييرهم وتبديلهم، وفيها كذلك ذكر قصة موسى عليه السلام في دخول الأرض المقدسة؛ ولكنها سورة الأحكام. فلو وضعت الآيات في هذا الإطار يمكن أن نجد المناسبة بهذا المعنى الكلي؛ والنظر إلى المعنى الكلي يهديك إلى ذكر موطن الآية أو الموضوع في هذا الإطار الكلي. مثال ذلك:
في سورة النحل؛ هذه سورة سماها ابن القيم عليه رحمة الله بسورة النعم الكلية، سماها سورة النعم الكلية؛ فيها ذكر كليات النعم، وقد ذكرت فيها كلمة"نعمة الله"كثيرًا -ربما اثنا