الحلقة الثانية عشرة:
القرآن وصناعة المسلم الصحابي (2)
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد المرسلين وحبيب رب العالمين محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين:
تكملة لما قلته في الكلمة السابقة: ما هي أفراد المعادلة التي إذا اجتمعت صنعت صحابيًا قرآنيًا في غير عصر الصحابة؟ ونحن هنا نقرر فقط الكلام عن قضية نوع الصفة، أما كمية الصفة فهذا لا يمكن إدراكه؛ «لو أنفق أحدكم مثل جبل أحد ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه» ، يعني: في هذا الزمن، لو أن المرء أنفق بمقدار جبل أحد نفقة في سبيل الله فلا يدرك ما أنفقه الصحابي رضي الله تعالى عنه في صدر الإسلام بمقدار مده ولا نصيفه؛ جبل أحد لا يقابل مده ولا نصيفه -أي: ما يوضع على رأسه من النصيف، أي المنديل-؛ وهذا -أيها الإخوة الأحبة- تنبيه على أن المتأخر لا يمكن أن يبلغ شأن المتقدم، إلا بحالة واحدة؛ وهي الحب.
وهذا أمر قلبي يجب أن تعتني به؛ الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم -أعماله تقصر أن تبلغ درجة ما يفعله المحبوب، فكيف يبلغ درجته؟ - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يحشر المرء مع من أحب» . هذا لتعلم أن أعمال القلوب هي أجل الأعمال؛ أجل الأعمال هي أعمال القلوب، فانتبه لها.
فإذا أحببت أبا بكر حبا على المعنى الحقيقي، وأن تتقفى سيرته وأخلاقه وأعماله، من أجل أن تعيش هذه الصورة فتدخل فيها دخولًا إيمانيًا، حينئذ أنت مع من أحببت؛ إذا أحببت عمر على هذا المعنى، إذا أحببت عثمان .. ، إذا أحببت عليًا .. ، إذا أحببت أبا عبيدة .. ، إذا أحببت سعد بن أبي وقاص .. ؛ هؤلاء العظماء الذين ملأوا الوجود خيرًا وإيمانًا، وأحبهم الله عز وجل.
وإياك -هذا شيء زائد- إياك أن يقع في قلبك شيءٌ على هؤلاء الأولياء؛ فإن المرء إذا وقع في قلبه شيء على هؤلاء الأولياء، حرم من الخير العظيم.