نعود إلى القضية: إذا لا يمكن لك أن تصل إلى مرتبتهم؛ ولكن نحن نريد أن نعيش المعنى ولو في أدنى درجاته مما عاشوه، وأقول:"أدنى درجاته"ليتحقق أنه لو عملنا بعشر ما عمل هؤلاء لنجونا.
وهنا أنبه: البعض يقع في أخطاء -بعض الصالحين وبعض الكتاب المفكرين- يقع منهم أخطاء في هذا الباب، وهو زعمهم أننا نعيش ابتلاءً لم يعشه الصحابة! وهذا يترتب عليه باطل آخر، وهو القول بأننا نحتاج إلى علوم أكثر مما احتاجه الصحابة! وهذا من أكذب الكذب وأبطل الباطل. الذي عاشه الصحابة رضي الله تعالى عنهم هو إرساء قواعد الحق؛ وأما نحن، فالحق موجود ولكن حصل فيه بعض الخلل، فما نحتاجه إلى ترميم، إلى إصلاح .. وهو الذي يتحدث في معنى التجديد؛ التجديد ليس إنشاء شيء جديد، الشيء الجديد صعب .. ما هو الأصعب: إعادة الخلق أو الخلق ابتداء؟ الخلق ابتداءً أشق، لأن مادة الشيء عند إعادته موجودة، وأما الخلق ابتداء فمادة الشيء غير موجودة. فالصحابة رضي الله عنهم عاشوا بلاءً لم ولن يعيشه أحد بعدهم؛ هؤلاء عظماء .. وعلومهم استوعبت كل هذا البلاء؛ ولأن حياتهم كانت أعظم والفتن فيها أشد وأكثر، كانت شخصية النبي صلى الله عليه وسلم بينهم. حتى ما عاشه الصحابة بعد النبي صلى الله عليه وسلم لا يعادل ما عاشه الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم من البلاء؛ حتى أن أعظم فتنة حدثت بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ولحوقه بالرفيق الأعلى -وهي فتنة الردة- لا تعادل الفتن التي عاشها الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم، كما عاشوا -مثلًا- في غزوة الخندق؛ فتنة الردة أقل بكثير من فتنة الصحابة في غزوة الخندق.
فالقصد: نبتعد عن هذه المبالغات التي سببها العجز، وسببها الجهل الذي نعيشه، بزعم أننا نحتاج إلى علوم جديدة للخروج مما نحن فيه! مع أن ما نحن فيه من الخيرات الكثير، ولكن لا نستطيع تفعيلها ولا الاستفادة منها.
نعود إلى القضية التي يدور حولها الحديث -وكل هذه لابد منها- أقول: إن القرآن الكريم موجود، ولكن هناك ثمة حواجز تحجب عنا رؤية هذا الكتاب كما هو؛ وربما أذكركم بكلمة سيد في مقدمة تفسيره لسورة الأنعام -أنا أنصح كل طالب علم أن يأتي إلى مقدمة هذه السورة، فإن سيدًا تكلم كلامًا عظيمًا جليلًا مهمًا؛ ومما قاله في التفسير: بأنه في طفولته كان يعيش نوعًا من التذوق الجمالي الذي يأسر هذا الطفل في شبابه وهو يسمع القرآن، قال: ثم فقدت هذا! وقال: ثم وجدت القرآن .. عاد له. طبعًا هذه القضية هي جزء مما نحن فيه؛