الحلقة الثالثة والعشرون:
مُبشرات
إن الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، والصلاة والسلام على سيد الخلق وإمام المرسلين محمد بن عبد الله، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحبه الغر الميامين، وعلى من تبعهم بإحسان وهدى وتقى إلى يوم الدين؛ جعلنا الله عز وجل وإياكم منهم .. آمين آمين.
أيها الإخوة الأحبة: إن مما يقتل النفوس ويذهب بهاء الإيمان من القلب، بل يوصل صاحبه إلى الكفر وعدم الثقة بالله، هو اليأس والقنوط من رحمة الله. هذا أمرٌ مقرر بين المسلمين، ولذلك كل مسلم يستحضر قصة يوسف عليه السلام ..
هذا النبي العظيم الذي أخذه إخوته فتىً صغيرًا فألقوه في غيابة الجب ليتخلصوا منه .. وهو سار المسيرة الطويلة في رحلة الحياة وفي تنقله من بلاء إلى بلاء ومن فتنة إلى فتنة، ولكن كانت صفة"الإحسان"هي التي تتحقق فيه؛ كل من رآه: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36) } ، هذه كلمة .. كيف يقولها سجين لسجين آخر لا يملك مالًا يقدمه إليه؟! ولكن هذه صفة الإحسان أعم من قضية الإحسان بالمصطلح العامي"أن يقدم إليه المال"، المسألة أعظم من ذلك .. فمشى هذا النبي الكريم يعيش الفتن ويصبر عليها، ويرى نور الله عز وجل أمامه فيختار ما يريده الله ويستحي أن يأتي المعاصي.
على الجهة المقابلة، كان يعيش شخص آخر مبتلى بغياب أحب أبنائه إليه، وهو يعقوب عليه السلام؛ يراقب لحظة الفرج .. وفي كل لحظة يكشف القرآن عن هذه الشخصية وحالها، يتحدث عن هذا الأمل في أن يعود إليه.
لما جاءوا إليه وقالوا: قد أكله الذئب {وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17) وَجَاءُو عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18) } الصبر .. ما معنى هذا؟ يعني أنه يرقب الفرج، الصبر الجميل بلا شكوى ويرقب الفرج.
وعندما ذهب ابنه الآخر -في قصة يوسف عليه السلام معه، حيث وضع صواع الملك في رحله ثم أخذه {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ} - جاءت صورة يعقوب عليه السلام وقد دخل