الحلقة الرابعة عشرة:
القرآن وصناعة المسلم الصحابي (4)
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا؛ من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛ صلوات ربي وسلامه عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحبه الغر الميامين، وعلى من تبعهم بإحسان وهدى وتقى إلى يوم الدين؛ جعلنا الله عز وجل وإياكم منهم، آمين آمين.
كان الحديث كله يدور حول المعادلة التي تحقق المسلم الصحابي، وذكرنا أن أهم ركن في هذه المعادلة هو القرآن الكريم، فهو الذي صاغ شخصية الصحابي، وهو الذي فعّل فيه القدرات من أجل خدمة الدين ومن أجل النظر إلى الآخرة.
المقصود بالمسلم الصحابي هو رجل الآخرة، كما وصف الله عز وجل الأنبياء بقوله: {إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) } أخلصهم لهذا الأمر؛ فالمسلم الصحابي هو المسلم الذي يعيش من أجل الآخرة، وحيث تحققت هذه الصفة في رجل فقد تحققت فيه سمة المسلم الصحابي ولحق بالأوائل، {وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ} و {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ} هؤلاء الذين يعيشون من أجل الآخرة.
إن أعظم مفسدة تقع في صفوف المسلمين في فهمهم للدين، هي أن ينظروا لهذا الدين أنه من أجل إسعادهم في الحياة الدنيا فقط. موضوع السعادة في الحياة الدنيا أمر تبعي، ثانوي، ذيلي، كما قال الله عز وجل: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ} ؛ مع أن نصر الله عز وجل هو نصر لدينه، وفتح قريب هو انتشار الدين وعلو الإيمان، ومع ذلك فهذه الدنيا {وَلَوْلَا أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) } . الأصل أن المسلم في هذه الدنيا لا نصيب له، ولكن لو وقع هذا -لو لم يكن هناك ثمة نصيب لهذا المؤمن في هذه الدنيا- لصار الناس أمة واحدة، أي: لخرجوا من الدين وتركوا الدين؛ فرحمة بالخلق أجرى الله عز وجل على يد أوليائه بعض المنافع الدنيوية، وإلا