الحلقة الرابعة:
فضل الجهاد والصبر في رمضان
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه:
هذا الشهر من شهور الطاعات العظيمة، ورأينا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم أن أعظم ما قام به في هذا الشهر من غير العبادات -من قيام الليل، من الرحمة على المسلمين، من قراءة القرآن، من الاعتكاف- رأينا أن هذا الشهر كذلك هو شهر الجهاد؛ فلأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم تعلمًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وهو استغلال الأوقات التي تحصل بها الرحمات لتحصيل المنافع الدينية؛ ومن ذلك ما كان ينصح به الفاروق الصحابة إذا غزوا أن يقيموا المعارك وقت صلاة الجمعة، لأنه تتنزل بها -كما يقول- الملائكة، وتهب الأرواح -أي الرياح الطيبة-، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نصره الله عز وجل -في غزوة الأحزاب- بالصبا، بريح الصبا؛ هذه هبت -اُستئذِنت الدبور فلم تقم، فقامت الصبا- فكانت ناصرة لنبينا صلى الله عليه وسلم. تهب الأرواح ناصرة للنبي صلى الله عليه وسلم؛ فلذلك كانوا يستغلون مثل هذه الظروف لإقامة طاعة الله، وتحصيل المنافع الدينية لهم، التي يحصل بها الفضل الإلهي في هذه الدنيا. فكان الفاروق رضي الله عنه يأمرهم بأن يقيموا المعارك وقت صلاة الجمعة، لأنها أوقات تتنزل بها الملائكة، وتهب فيها الأرواح، ويحصل الدعاء من قبل المصلين في المساجد لهذه الجموع المؤمنة.
ولذلك وقعت المعارك العظيمة في هذا الشهر العظيم؛ لماذا؟؟ هذا استغلال لفضل الله بما تنزل به الملائكة في هذا الشهر؛ يقول الله عز وجل: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا} الروح هو جبريل عليه السلام، وذكر هنا تخصيصًا لفضله وكرامته، فهو أعظم الملائكة عند الله عز وجل -ولذلك يكرهه المشركون واليهود لأنه ينزل بالعذاب عليهم- وهو أمين وحي السماء، لم ينزل كتاب إلى الأرض على نبي من الأنبياء إلا وكان أمين هذا الوحي هو جبريل عليه السلام.
إذًا أيها الأخوة الأحبة: أعظم ما يمكن للمرء أن يقوم به في هذا الأعمال، أو أن يقيمه الله عز وجل فيه، هو أن يقيمه سببًا لنصرة الدين؛ ولذلك في الحديث: «من صام يومًا في سبيل الله باعد الله بينه وبين النار -أو: باعد بين وجهه وبين النار- خمسمائة سنة» ، خمسمائة عام