عليه أبناؤه: {إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81) } .. {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا} ؛ هو لا يعلم الغيب .. في المرة الأولى قالها يعقوب وقد أصاب -أن أنفسهم سولت لهم الشر- وفي المرة الثانية لم يصب، أجراها على المعنى الأول فقال: {قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ .. } مع أنه لا دخل لهم فيها، ولم يكن من أفعالهم أي سبب أدى إلى أخذ شقيق يوسف عنده وغيابه عن أبيه. ومع ذلك قال: {عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا} ؛ جاء بصيغة الجمع هنا! {عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا} وليس بهما، ليس فقط يوسف وأخوه وإنما كذلك الأخ الذي قال: {ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَاأَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ} وقال: {فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي} ، فهؤلاء الثلاثة حتى يتحقق الوعد بمجيء جميعهم إليه.
وفي كل لحظة كان يتوكل على الله {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67) } . ثم قال كلمته العظيمة لأبنائه: {اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ} الآن اذهبوا فتحسسوا من يوسف! {وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) } . هذا يقين الأنبياء .. مع شدة البلاء يأتي الصبر، ومع شدة الصبر يأتي انتظار الفرج.
الله يقول: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) } ؛ الناس كلهم يحفظون"لا يغلب عسر واحد يسرين"، ولكن -كذلك- من المعاني التي تغيب عنهم أن اليسر هنا منكَّر؛ يعني: أنت تعرف طريق العسر -هنا يوجد عسر"غياب الابن"وهو واضح ومعرف، ولكن كيف يعود الابن؟ فنكَّرَهُ ليبقى مجهولًا، حتى إذا جاء الفرج جاء على غير ما تتوقع ومن باب لا تتوقعه؛ بل ربما يخرج لك من الحائط محطمًا الجدر ليصل إليك! إنه فعل الله {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ} لطيف: أي يجري أقداره على معنى لا يدركه البشر -الكثير من البشر- ولكن في النهاية يعلمون أنه سيقع الفرج.
الله عز وجل قص على نبينا صلى الله عليه وسلم قصص الأنبياء وبيّن كيف نصرهم -كل نبي نُصِر بطريقة تختلف عن طريقة نصر الآخر- من أجل أن يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: أنا سأنصرك، اصبر فإن العاقبة للمتقين، كما في سورة هود بعد أن أنهى قصة نوح عليه السلام {مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49) } . هذه العاقبة كيف ستتم؟ يرى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام أن له مهاجر إلى أرض سبخة وأرض ذات نخل، فيذهب وهمه صلى الله عليه وسلم إلى الطائف، ولكن لا يدري كيف سيقع.
هكذا المؤمن؛ عنده اليقين أن قدرة الله لا يحدها شيء، وأن نهاية كل شدة هي الفرج، وأن نهاية كل بلاء هو الانفراج. الحجاج كان يقول: لولا علمي بمتعة اللقاء لما عذبت