خصومي إلا بالسفر؛ مسكين الحجاج! لأنه ما من مهموم إلا وسيكون له متعة اللقاء -ليس فقط المسافر، حتى المسجون عنده متعة اللقاء- ولذاك كنت أقول لإخواني: كما أن للصائم فرحتان فرحة عند فطوره وفرحة عند لقاء ربه، كذلك السجين، السجين له فرحة .. والله إن البعض يحدث: عندما يرى متعة السجن عند الخروج، يقع في قلبه: لعلها تعود، لما يقع من متع لا يعلم بها إلا الله.
فلذلك يعقوب عليه السلام عندما وقعت كل هذه البلاءات المتعاقبة -زمن طويل .. ذهب فتى صغير، رمي في البئر، حتى صار شابًا، كبيرًا، يولى خزائن الأرض- بقي على صبره حتى ابيضت عيناه من الحزن، من شدة ما بكى -وهم وصفوه: {تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ} حتى لسانه لم يسكت عن ذكره- ومع ذلك وقع الفرج، التقى معه .. وكان ذلك على معنى لا يتوقعه أحد، أن يلتقي هذا الشيخ الجليل مع ابنه وهو على خزائن الأرض وهو عزيز مصر.
العطاء الإلهي مربوط بالبلاء؛ والبلاء يعني الشدة، يعني ضغط النعمة -النعمة تُضغط من أجل إذا خرجت خرجت منتفشة جميلة تملأ الوجود، وتملأ كيانك وعقلك-، وكلما اشتد البلاء راقب الصالحون الفرج، لأنها تصل إلى النهايات.
هذا ابن القيم رحمه الله يجعل في قصة الثلاثة الذين خلفوا -أي: خلفت توبتهم كما يقول الصحابي رضي الله تعالى عنه- فيقول: إن نزول الأمر الإلهي بفراق هؤلاء الثلاثة لزوجاتهم كان مؤذنًا بالفرج. انظر هذا الفقه! كلما اشتد البلاء دل على اقتراب الفرج.
زيادة البلاء ماذا تعني؟ يعني: زيادة فجور الفاجر وكفر الكافر وفسق الفاسق؛ عندما ترى هؤلاء الذين يتحكمون في رقاب المسلمين وقد زاد إجرامهم، وبغوا، وطغوا، وأفسدوا، فارقب قوله سبحانه وتعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) } . الله يحب العذر، ومن عذره أن يقول للناس: انظروا .. هناك بلاد لو دمرها الله -دمرها بدمار هؤلاء الطغاة- لقال الناس: فيهم خير! ولبكاهم بعض الناس -إذا كان الطواغيت الكبار كالقذافي .. بعض الناس الآن ربما يقول: هو خير من الذي سيأتي، مع أن الذي سيأتي عظيم لأهل الإسلام من الفرج والعطاء- ولكن سيقول بعض الناس: كان فيهم خير، فعلوا كذا وكذا!
الآن ترون: الفساد قد طم في البلاد وعم، وفجروا فيه وأظهروه و «كل الناس معافى إلا المجاهرون» . فلذلك الفرج قريب والأمل بيد الله عز وجل.