والآداب , فأما السنن المحضة وهي أحاديث الأحكام المتعلقة بأعمال المكلفين فلم يقصد واحد إلى جمعها واستيفائها مفردة مجردة , وإن كان مالك بن أنس إمام دار الهجرة عمد إلى تصنيف الموطأ وهو بهذا المعنى إلا أنه لم يستوف ولم يجرّد , فكان أبو داود أول من طرق هذا السبيل , فصنف (سننه) منتخبًا إياها من خمسمائة ألف حديث , ذكر تلميذه أبو بكر بن داسة عنه أنه قال: (كتبت عن الرسول الله صلى الله عليه وسلم خمسمائة ألف حديث انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب , جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث) .
قال الخطابي: (جمع أبو داود في كتابه من الحديث في أصول العلم وأمهات السنن وأحكام الفقه مالا نعلم متقدمًا سبقه إليه ولا متأخرًا لحقه فيه) .
وقد اعتمد أبوداود في تصنيفه على موارد كثيرة سبقته , من أبرزها: موطأ مالك , وجامع سفيان , ومصنف وكيع , ومصنف عبد الرزاق , وكتب أحمد بن حنبل , ومسدّد , والحسن الحلواني , وغيرهم.
وصنفه أبو داود لنفع العامة , فلذا جاء كتابا واضحا سهلا قريب التناول لكل مريد.
وفي هذا دليل على حسن قصده في تصنيفه ونيته فيه.
منزلته بين كتب الحديث:
قدّم بعض أهل العلم سنن أبي داود على جامع الترمذي لشمول أحاديثه في الأحكام وكثرة أبوابه وحسن ترتيبه , وقدّم أخرون الترمذي لأن شرطه أقوى من شرط أبي داود.
-سنن أبي داود من مظان الحديث الحسن.
موضوع السنن:
موضوع كتاب (السنن) لأبي داود أحاديث الأحكام المرفوعة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقلّما يوجد فيه الموقوف الصرف الذي له حكم الرفع , ولم يخرج كتب الزهد وفضائل الأعمال ونحو ذلك , فكتابه لا يعد جامعًا للأبواب عامة , إنما هو جامع لأبواب السنن والأحكام , مستقص لها دون غيرها , وهو كالتخريج لأدلة الفروع الفقهية ومسائل الأئمة.
وهو أحاديث سردها في أبواب , لم تمزج بالرأي ولا بمذاهب الفقهاء إلا ما ندر , وإن ذكر شيئا من ذلك فإنه يشير إليه إشارة ولا يفصل , غير أنه لا يخليه من نكت حديثيه , وفوائد حكميه.
حمع في كتاب السنن أبواب السنن والأحكام مستقص لها دون غيرها وهو كالتخريج لإدلة الفروع الفقهية ومسائل الأئمة. ولم يمزج هذه الأحاديث بالرأي ولا بمذاهب الفقهاء إلا ما ندر.
شرط السنن:
شرح أبو داود رحمه الله شرطه في كتابه وبينه في رسالته التي بعث بها إلى أهل مكة في وصف السنن ويمكن توضيح ذلك بما يأتي:
1 -شمولية أحاديثه للسنن , قال: إن ذكر لك عن النبي صلى الله عليه وسلم سنة ليس فيما خرجته فاعلم أنه حديث واهٍ إلا أن يكون في كتابي من طريق آخر فإني لم أخرج الطرق؛ لأنه يكثر على المتعلم.
2 -يخرج أصح ما ثبت عنده في الباب إلا أن يجيمع عنده إسنادان صحيحان أحدهما راويه أحفظ والآخر أقدم فيقدم رواية الأقدم.
3 -شرطه في الرجال أن لا يخرج عن رجل متروك الحديث شيئا , وإنما يخرج أحاديث الثقات ومن قاربهم في الحفظ , وحديث من لم يجمع على تركهم.