فهرس الكتاب
روى كتاب (السنن) عن النسائي جماعة من أصحابه، ووقع في رواية كل منهم ما ليس في رواية الآخر من الزيادة والحذف، وأوجز هذه الروايات رواية أبي بكر بن السني، وهي الرواية التي اصطلح من بعد على تسميتها بالسنن الصغرى، وهي المتداولة عند أكثر العلماء المتأخرين، وإياها يقصدون حين إطلاق (رواه النسائي) سوى ما وقع في كتب بعض الأئمة كالمنذري والمزي، فإنما يقصدون (السنن الكبرى) .
وهذا الاختصار في رواية ابن السني، للعلماء فيه مذاهب:
الأول: ما حكاه المبارك ابن الأثير في (جامع الأصول) أن بعض الأمراء سأل النسائي عن كتابه (السنن) أكله صحيح؟ فقال: (لا) قال: فاكتب لنا الصحيح منه مجردا، فصنع (المجتبى) ، فهو المجتبى من السنن، ترك كل حديث أورده في (السنن) مما تكلم في إسناده بالتعليل.
الثاني: ما ذهب إليه الذهبي _ وتبعه التاج السبكي وابن ناصر الدين _ أن المجتبى اختيار ابن السني، وليس للنسائي فيه يد، وأنكر الذهبي صحة ما حكاه ابن الأثير.
الثالث: ما اختاره الحافظ ابن كثير من أن انتخاب (السنن الصغرى) كان من النسائي نفسه حيث قال: وقد جمع _ يعني النسائي _ السنن الكبير، وانتخب منه ما هو أقل حجما منه بمرات، وقد وقع لي سماعهما.
وتحقيق الصواب من ذلك: أن المذهب الأول حكاية ليس لها إسناد، ويردها الواقع حيث إن (السنن الكبرى) اشتملت على الكثير من الحديث الصحيح غير المعلول مما انفردت به دون (الصغرى) .
وأما ما اختاره الذهبي فمبني عن ظن وتخمين لكونه لم يطلع على السنن الكبرى أصلا حيث قال: (والذي وقع لنا من سننه هو الكتاب المجتبى منه انتخاب(أبي بكر ابن السني) وليس في إسناد رواية ابن السني ما يؤيد ما ذهب إليه، فقد أسندها غير واحد من الحفاظ منهم الذهبي نفسه من طريق ابن السني بالسماع من النسائي من غير إشارة إلى تصرف أو اختصار منه.
وعليه فلم يبق غير المذهب الثالث، وهو الراجح، ومما يدل على رجحانه أن (السنن الصغرى) اختصت بزيادة كثيرة ليست موجودة في (السنن الكبرى) وذلك في الأحاديث وتراجم الأبواب، كما أن الكبرى اختصت بزيادات في الكتب والأبواب والأحاديث مما ليس في الصغرى فالزيادة ترجح الاستقلال في تصنيفها عن الكبرى، وأن النسائي انتخبها فزاد عليها، ولو كان ذلك الانتخاب لابن السني فمن أين جاءت الزيادة فيه على روايات الناس للسنن الكبرى؟.
والذي يظهر أن النسائي حين حدث ابن السني بالسنن نقحها، وتفنن فيها في الأبواب أشبه ما يكون بصنيع البخاري في كتابه، ولم تكن الكبرى كذلك. فالمجتبى هي بمثابة الطبعة المنقحة للسنن الكبرى، وهي التي اعتمدها العلماء في عزوهم للنسائي.
ويؤيد ذلك ما حكاه صاحب النسائي وأحد أشهر من روى السنن الكبرى عنه وهو محمد بن معاوية ابن الأحمر: قال النسائي: (كتاب السنن كله صحيح، وبعضه معلول إلا أنه لم يبين علته، والمنتخب المسمى بالمجتبى صحيح كله) .