فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 131

إلى أن ذلك قد يكون ذريعة لأن يحدّث المنافقون ويدسون سمومهم في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيفسدوا على المسلمين دينهم الحنيف، ويشوشوا عليهم شريعتهم الغراء، كما خشوا أن ينشغل الناس برواية الحديث عن تلاوة القرآن ولمّا يتيسر لكثير منهم حفظَه، فاكتفوا من الرواية بما يحتاجون إليه من الوقوف على معرفة مسائل الفتوى والأحكام ونحو ذلك مما تمس الحاجة إليه.

فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه مع كثرة سماعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم بحكم ملازمته الدائمة له، إلا أنه يقلل من الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومثله عمران بن حصين، والعباس بن عبد المطلب، حتى إن سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرين بالجنة لم يُرو له إلا حديثان، وقد أمسك أبو هريرة رضي الله عنه عن التحديث في زمن عمر بن الخطاب مع أنه - أعني أبا هريرة - معدود في المكثرين، ولكنه أمسك عن التحديث اتباعا لمنهج الشيخين في التقليل من الرواية مراعاة للمصلحة التي أوضحنا بعض أوجهها، ثم لما طالت به الأيام واحتيج إلى ما عنده من العلم حدث به وأظهره للناس.

روى البخاري في كتاب العلم من صحيحه عن أبي هريرة قال إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة ولولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثا ثم يتلو (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى) (البقرة:159) إلى قوله (الرحيم) . إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق (أي البيع والشراء) ، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشبع بطنه ويحضر ما لا يحضرون ويحفظ ما لا يحفظون"."

يبين هنا أبا هريرة رضي الله عنه أنه كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتعلم منه ويحفظ عنه، فلم يشغله عن العلم تجارة ولا بيع، ومع ذلك كان يمسك عن التحديث في زمن عمر بن الخطاب لما عرف عنه من الشدة على المكثرين من الرواة.

ونرى نفرًا من كبار الصحابة ممن لازموا النبي صلى الله عليه وسلم يمسكون عن الرواية والتحديث مخافة النسيان أو الخطأ، منهم الزبير بن العوام رضي الله عنه فإنه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت