إذا تبين هذا وتمهّد؛ فإن الحافظ أحمد بن الصديق كان أحد كبار علماء القرن الماضي، ولم يكن مغمورا بين قومه، بل قد خرج بمنهاج جديد خاص به، ونبذ القديم الذي استقر عليه الناس، فكان الناس فيه على مذاهب؛
منهم: من تعصب له ورأى أن الحق كله معه، وأنه كان على قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم والسلف.
ومنهم: من جعله من أضل خلق الله، ولم ير له ممدحة.
ومنهم: من توسط بين ذلك قواما.
وحيث إني تجشمت دراسة حياة وفقه الرجل في رسالة علمية ستعرض على أنظار الجامعة ثم الناس جميعا، فقد بذلت كل جهدي لمعرفة الحقيقة وإنصاف هذا الرجل، دون أن أعطيه ما ليس له، أو أغمطه حقه الذي له، بميزان عادل خال من الهوى، شهد الله تعالى.
فأما في مقدمة"توجيه الأنظار"؛ فقد عمدت إلى كلام كبار علماء زمان الشيخ الذين تكلموا ذاكرين محاسنه وأخطاءه، فنقلته بالحرف. ومدحت الرجل وبينت غيرته على الدين، وجهاده لنصرة الإسلام، وأن دعوة أهل السنة والحديث ما انتشرت في الشمال المغربي غلا بجهوده وجهود إخوته، وبينت أن أصحابهم تداركوا ما وقعوا فيه من أخطاء حتى يوافقوا محض السنة.
أما في دراستي؛ فقد فضلت أن ألخص مواقف الشيخ الفكرية دون تعليق، وإعطاء حكم احتراما له، وحتى لا أجرح محبيه. ولكن ..
ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
فإن المتعصبين للشيخ كرهوا كلامي، كما أن المتعصبين عليه كرهوه واتهموني بالمداهنة والتقصير.
وما علي من الطائفتين، فإنني أخاطب أهل الاعتدال والإنصاف.
وما علي إذا ما قلت معتقدي دع الجهول يظن الحق عدوانا
ففي دراستي مدحت الشيخ مدحا بينا، وذكرت محاسنه، ثم كنت دقيقا في وصف أخطائه. أما وصف منهجه العلمي العام فقد بينته بالنقول من كلام الشيخ في مؤلفاته بالحرف، وتركت بعض العبارات الخشنة تأدبا معه.