مع أن السيد أحمد عند نقده لمخالفيه ينقضُّ عليهم كالصقر، لا يبقي لهم حسنة ولا يعرف لهم فضلا.
وفي السيد أحمد شبه كبير بالحافظ أبي محمد بن حزم الظاهري، ولعله تأثر به في شدته وعنفه على المخالف. فهل تنكر على من أنشأ دراسة عن هذا الإمام فقال: إنه وافق الجهمية في أمور، وأخطأ في كيت وكيت، كما قال الحافظ الذهبي رحمه الله:"لي ميل إلى أبي محمد رحمه الله، وإن كنت لا أوافقه في مسائله المستبشعة في الصول والفروع، ولا أكفره، ولا أضلله، وأخضع لفرط ذكائه". هذا معنى كلامه الذي ذكره في"سير أعلام النبلاء"، وقد نقلته بالنص في رسالتي"وصف المحلى"وتكلمت عن ابن حزم بمثل ما تكلمت عن ابن الصديق. والرسالة مطبوعة بحمد الله تعالى.
وقد خرجت دراسات كثيرة عن جماعة من أئمة الإسلام، وفيها دراسة عن عقائدهم ومناهجهم الفكرية، فكان في ذلك نفع عظيم لطلبة العلم والعلماء.
وما لنا نذهب بعيدا؛ فإن ابن الصديق نفسه في تراجمه من"البحر العميق"وغيره لا يذكر عالما إلا ويبين ما له وما عليه، اقتداء بأهل الحديث، لكن ميزانه كان منهاجه الذي وضعه لنفسه، لا منهاج أيمة أهل السنة والحديث كما هو مقرر في كتبهم، ك"السنة"لابن أبي عاصم، ولعبد الله بن أحمد بن حنبل، و"التوحيد"لابن خزيمة، و"الشريعة"لأبي بكر الآجري، و"شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة"للالكائي، و"الحجة على تارك المحجة"لأبي القاسم إسماعيل الأصبهاني ... وغيرها كثير.
وبكل حال؛ فالكلام في الرجال يجب أن يكون بورع واعتدال، لا بشطط وهوى.
والحمد لله أنني لست ببدع فيما حدث لي، فقد اتهم ابن معين بغيبة العلماء، وكذلك يحيى بن سعيد القطان رحمهما الله. فقال:"لأن يكونوا خصمائي يوم القيامةخير من أن يكون خصمي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يقول لي: لمَ لمْ تذب عن سنتي؟!".
ونال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى عنتٌ من بعض من عاصره لكونه ترجم لهم بما يعلم عنهم، واتهمه ابن المرابط الغرناطي بغيبة الناس، لكون علم الجرح والتعديل في نظره ما عاد له سبب بعد أن دونت السنة ... إلى غير ذلك.
الوقفة الرابعة: المناقشة المفصلة لكلام المؤلف