فقد ألف المبرد كتابًا يرد على سيبويه-إمام النحاة-أسماه: (مسائل الغلط) ، وَلَم يَكْتَفِ بِهذَا وَرَدَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ: (التمُقْتَضَبِ) أيضًا فِي مَوَاضِعَ؛ فَمِنْهَا: عِنْدَ الكَلامِ عَنْ (أَنْ) المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ، حَيثُ نَقَلَ كَلامَ سِيْبَوَيْهِ وَانتَقَدَهُ، فَقَالَ:"زَعَمَ سِيْبَوَيْهِ أَنَّهُ يَجُوزُ: (خِفْتُ أَنْ لَا تَقُومَ يَا فَتَى) ، إِذَا خَافَ شَيْئًا كَالمُسْتَقَرِّ عِنْدَهُ، وَهَذَا بَعِيدٌ" [1] .
ولما تقدم به السنُّ اعتذر من ذلك وندم، وكتب في مقدمة كتابه: (المقتضب) : (هذا شيء كنا رأيناه في أيام الحداثة، فأما الآن فلا) [2] .
وقال القَاضِي التّنوخِيُّ: (وَلَهُ كِتَابٌ صَغِيرٌ يَرُدُّ عَلَى سِيبَوَيْهِ، نَحْوَ أَرْبَعْمِائَةِ مَسْأَلَةٍ) .
وقَالَ الزَّجَّاجُ:(رَجَعَ عَنْ أَكْثَرِهَا إِلَى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ. قَالَ: وَفِيهَا مَا يُلْزِمُ سِيبَوَيْهِ عَلَى مَذْهَبِهِ نَحْوَ أَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً.
وَالَّذِي أَعْتَقِدُ فِي ذَلِكَ أَنَّ سِيبَوَيْهِ لا يتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ مِمَّا ذُكِرَ عَنْهُ، لأَنَّهُ يَرْوِي عَنِ الْعَرَبِ) [3] .
2 -الفقيه عبد الحق بن محمد الصقلي-رحمه الله تعالى:
وقد جاء في ترجمة الفقيه المالكي عبد الحق بن محمد الصقلي (466 هـ) أنه ندم على أول كتاب ألفه، وتغيرت نظرته إليه، فتولاه بالتغيير، ورجع عن كثير من اختياراته وتعليلاته، وكان يقول: (لو قدرت على جمعه وإخفائه لفعلت) .
والشأن في هذا كما قال الخطيب [4] : (إن من صنَّف تصنيفًا، أو: قال شعرًا: فقد جعل عقله على طبق يعرضه على الناس) .
3 -وقبلهما رجوع الإمام مالك إلى قول ابن وهب في تخليل أصابع القدمين:
(1) -المُقْتَضَبُ للمُبَرِّدِ (3/ 8) ، وَقَدْ يأتِي مَعَنَا بيَانُ هذِهِ المَسألَةِ عِنْدَ الكَلامِ عَلَى (أَن) المُخَفَّفَةِ وَاعتِرَاضِ أوزونَ علَيهَا.
(2) -انظر: (الخصائص) (1/ 207) .
(3) -انظر: (تاريخُ العُلَمَاءِ النَّحوِيِّينَ مِنَ البَصْرِيّيِنَ والكُوفيِّينَ وَغَيرِهِم) (ص:59) للتّنوخِيِّ.
(4) -فيما نقله عنه الحافظ الذهبي في: (السير) (18/ 281) ، و (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام) (1/ 183/رقم:61) .