تبلغ وظيفة حاجب من جهة المرتب في غيرها من المحاكم الأهلية والمختلطة، ولذلك أصبح كتّاب المحاكم الشرعية مظنة الرشوة، والتداخل في القضايا، وإعانة بعض الخصوم على بعض، ولست أجد سببا لغرس هذه الأخلاق الفاسدة والسجايا الذميمة، في نفوسهم أكبر من قلة مرتباتهم، وكثرة احتياجاتهم، وسد باب الأمل في وجوههم. فإن أنزه كاتب في المحاكم الشرعية كيفما كانت درجته من النباهة [و] الأمانة والنشاط والاقتدار على العمل؛ لا يطمع أن يبلغ مرتبه الشهري أكثر من خمسمائة قرش مثلا. وله عينان يرى بهما من هو دونه في الفضل والثقة يتناول أضعاف ذلك، ولا يمضي عليه عامان حتى تغمره الجهة الرئيسية عليه بزيادة في مرتبه، وترفع درجته إلى ما هو أعلى منها مع بقائه على عمله، وهو يشب ويشيب شعره، ويتقوس ظهره، ويشتغل ليلا ونهارا وراتبه كما هو ثلاثمائة قرش، لا يزيد ولا ينقص. فكيف لا يعذر إن طمحت نفسه إلى الرشوة، يسد بها خلته، ويقضي حاجته؛ فإن كانت الهيئة الحاكمة تبغي أن تخفظ على موظفيها شرف نفوسهم، والأمانة على ما استودعتهم إياه من الأعمال؛ فلتبدء بإغنائهم عن التطلع إلى ما في أيدي الناس، ليربوا في نفوسهم حب النزاهة عما يدنس أعراضهم والعفة، وليجدوا من الأمل في الترقي ما يدفعهم إلى التخلق بالأخلاق الفاضلة، والمحافظة على أن لا تمس سمعتهم بسوء يكون عقبة في طريق تقدمهم، وشينا في تاريخ حياتهم المعيشية. وليس القضاة الشرعيون بأحسن حالا من الكتاب والحجاب؛ فإن من الغريب أن يولى القضاء رجل يتناول مرتبا شهريا لا يزيد عن ستمائة قرش، ويوكل إليه الفصل في الخصومات بين الشريف والوضيع، في القليل والكثير، ولا تطمح نفسه إلى ما يتجمل به ليكون مهابًا في مجلس قضائه، إلا أن يكون من شرف النفس وعزة الجانب في الدرجة المتناهية، وليس ذلك بالكثير الوجود بين الناس، وإن الحكومة لتقرن بين القاضي الشرعي، والحاكم الإداري، في كثير من أعمالها، وتنزلهما منزلة واحدة، ثم شتان ما بينهما في المرتبات؛ ذلك يتناول في الشهر مائة جنيه، وهذا يتناول أربعة عشر، وقد لا يعطاها بتمامها عندما ينقل من وظيفة عضو إلى وظيفة قاض في مديرية. وأين يقع هذا المرتب من احتياجاته في المسكن والمأكل والمشرب والملبس والخدم، وتربية الأولاد بالعلوم والمعارف، وما يلزم لحفظ كرامته بين الناس، ومنزلته عند العامة والخاصة، ولقد أحسن نظار الحكومة وموظفوها ومستشاروها الأجنبيون صنعا؛ إذ رفعوا أصواتهم بالشكوى من قلة مرتبات الموظفين في المحاكم الشرعية. ولكن