فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 112

كانت المحاكم الشرعية في مصر تحكم في كل المسائل بالقول الراجح -في نظر القضاة- من مذهب الإمام أبي حنيفة، وقبل ذلك كان فيها قضاة من المذاهب الأربعة. بعد أن أقفل الفقهاء باب الاجتهاد، ومنعوا المفكرين من استنباط الأحكام من الكتاب والسنة، وإن كان هذا لم يمنع أحرار الفكر من الاستنباط، ولكن منعهم من الإعلان برأيهم وإظهاره.

وليس من شأننا الآن أن نبحث في جواز الاجتهاد أو وجوبه. وبطلان التقليد وضرر الأخذ به. ولكن تقييد المحاكم بمذهب أبي حنيفة أوقع الناس في كثير من الحرج في بعض المسائل، مع ضعف بعض القضاة السابقين في تطبيق الأحكام، وتمسكهم بالألفاظ والأشكال، حتى كان من أثر هذا: أن ألغيت الأحكام الشرعية من مصر ومن كثير من الأقطار الإسلامية، إلا في بعض أبواب قلائل، يسمونها (الأحوال الشخصية) ، وكان من هذا: أن نشأت المحاكم النظامية والمحاكم المختلطة والمحاكم الأهلية، ووضعت قوانين لا تمُتُّ إلى الإسلام بصلة، بل نقلت عن قوانين أوروبا نقلا حرفيًا، من غير تفكير فيما إذا كانت تناسب أخلاقنا وعاداتنا وخلجات نفوسنا، وكان أن ضعف شأن المحاكم الشرعية حتى كادت أن يمحى أثرها، لولا ظروف خاصة حفظت لمصر أثرًا من شريعتها.

ومع كل هذا فإنه لم يجرؤ أحد من العلماء في مصر على التفكير في مخالفة أحكام مذهب أبي حنيفة، وفي بعضها إرهاق وإحراج.

وأول من فكر في ذلك وطلب العمل به -فيما أعلم- هو والدي الأستاذ الأكبر الشيخ محمد شاكر، وكيل الأزهر سابقًا، وذلك قبل سنة 1892 م، وكان يومئذ كاتب الفتوى لدى شيخه محمد العباسي المهدي مفتي الديار المصرية رحمه الله، فجاءت امرأة شابة حكم على زوجها بالسجن مدة طويلة وهي تخشى الفتنة، وتريد عرض أمرها على المفتي، ليرى لها رأيًا في الطلاق من زوجها لتتزوج من غيره، وليس في مذهب الإمام أبي حنيفة حلٌّ لمثل هذه المعضلة إلا بالصبر والانتظار. فصرفها الوالد معتذرًا آسفًا متألمًا، ثم عرض الأمر على شيخه المفتي، واقترح عليه اقتباس بعض الأحكام من مذهب الإمام مالك في مثل هذه المشاكل، فأبى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت