الشيخ كل الإباء، واستنكر هذا الرأي أشد استنكار، وكان بين الأستاذ وتلميذه جدال حاد في هذا الشأن، ولكنه لم يؤثر على ما كان بينهما من مودة وعطف. وما زال الأستاذ الوالد -حفظه الله- مقتنعًا برأيه، معتقدًا صحته وفائدته للناس.
ثم في أوائل سنة 1899، وكان الأستاذ الوالد نائبًا لمحكمة بنها الشرعية، قدم تقريرًا [1] لأستاذه الأمام الحكيم محمد عبده مفتي الديار المصرية، انتقد فيها كثيرًا من أعمال المحاكم الشرعية وأعمال قضاتها على الخصوص، وأبان على وجه النقص والخطأ في اللائحة التي كان معمولا بها في ذلك الوقت وهي لائحة سنة 1897 واقترح عليه أيضًا اقتباس بعض الأحكام من مذهب الإمام مالك في التطليق للإعسار، وللضرر، وللغيبة الطويلة.
ثم طاف الأستاذ الإمام رحمه الله في صيف تلك السنة على كثير من محاكم الوجه البحري، واطلع على سير الأعمال فيها، ليصنف لها الدواء والعلاج بحكمته، ووضع تقريره المشهور في إصلاح المحاكم في نوفمبر سنة 1899 م. وهو الذي طبع بمطبعة المنار بمصر في شوال سنة 1317 هـ - (1900) واتفق رأي الأستاذ الإمام ورأي تلميذه -الأستاذ الوالد- في كثير من مواطن الخطأ والنقص في أعمال المحاكم.
ولكن يظهر أن الأستاذ الإمام رحمه الله لم يجد الفرصة مواتية لاقتراح أحكام تخالف مذهب الإمام أبي حنيفة. وخاصة في التطليق من القاضي، فترك الكلام في ذلك. ولكنه أشار في الكلام في المرافعات إشارة عامة، ودعا إلى الأخذ بشيء من أحكام المذاهب الثلاثة الأخرى (ص 38) .
ولما وَلِيَ الأستاذ الوالد قضاء السودان، في منصب قاضي القضاة في أواخر سنة 1899، وجد مجال العمل واسعًا، ووجد الفرصة مواتية، فإنه لم تكن هناك محاكم، ولم يكن شيء من النظم، وكان ينشئ كل ذلك إنشاء جديدًا، فوضع القوانين واللوائح على النحو الذي يراه ويريده، وأهم ما في ذلك: التطليق من القاضي للإعسار وللضرر، وللغيبة الطويلة، وهي الأحكام التي لم تقتبس في مصر إلا في القانون رقم 25 لسنة 1920 باقتراح
(1) انظر نص هذا التقرير في نهاية الرسالة.