فهرس الكتاب
أجمع فقهاء الحنفية على أنه لا يفرق بين الزوجين بالإعسار عن النفقة، ولكن يفرض لها القاضي النفقة عليه، ويأمرها بالاستدانة عليه إلى أن يقدر له اليسار. وتجب الإدانة على من تجب نفقتها عليه لو لم تكن ذات زوج، وكذلك الحكم في زوجة المفقود، ولا يقضى بالفرقة بينهما إلا بعد موت أقرانه، وذهب الإمام مالك رضي الله عنه إلى جواز التفريق بالإعسار عن النفقة، وكذا الحكم في زوجة المفقود، وتؤجل أربع سنين إن كان له مال تستدر النفقة منه، وإلا كانت كزوجة المعسر؛ يفرق بينهما بلا ضرب أجل، ويجب التفريق بلا أجل إن خافت على نفسها الزنا ولو كان ذا مال، وقد أرشدتنا الحوادث إلى أن المصلحة في هذا الزمان تقتضي العمل بمذهب الإمام مالك رضي الله عنه؛ تقليلًا للفساد بقدر الإمكان، وصونا للأعراض عن الابتذال. فحبذا لو أبيح للقضاة الشرعيين؛ الحكم على غير المدون بكتب الحنفية رضوان الله عليهم مما ذهب أليه مالك أو الشافعي رضي الله عنهما في هذه المسائل، وذلك ميسور بالنسبة للقضاة في غير مصر القاهرة، فإن خديوي مصر مأذون بتولية القضاة في ما عداها من غير تقييد بمذهب. فله أن يأذن من ولاهم بالحكم على غير مذهب الحنفية، وأما الحوادث التي تقع بمصر من هذا القبيل؛ فيمكن الإذن لقاضي الجيزة -التي هي أقرب جهات القضاء إلى مصر -بسماع الدعوى فيها إذا قدمت إليه في محل قضائه، إن لم يتيسر استصدار أمر سلطاني لقاضي مصر بالحكم على غير مذهب الحنفية فيها. ولا بأس من الاحتياط وزيادة التدقيق في كيفية إثبات الإعسار، والغيبة المنقطعة حتى لا يبقى موضع للشك أو الريبة، ويضاف إلى الغائب المحكوم عليه بالأشغال الشاقة مؤبدا أو مؤقتا إذا طلبت زوجته الفرقة.
اعتاد وكلاء الدعوى -إذا أفسدت في وجوههم أبواب الدفاع عن موكليهم- أن يلجئوا إلى دعوى الأقارير الكاذبة على خصومهم؛ بأنهم مبطلون فيما يدعون، أو بأن شهودهم كذبة، أو شهدوا زورًا، وما شاكل ذلك من الدعاوى التي لا تقام على صحتها حجة أو برهان سوى شاهدين، بقليل من الدراهم نشتري ذممهم ليكذبوا على الله والناس، فربما حضر بمجلس القضاء رجل يدعي الوراثة لمتوفى على خصم يدعي أنه هو الوارث الوحيد لذلك المتوفى، ويقيم كلاهما البينة على دعواه؛ فيدعي كل منهما