فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 112

واقتلع أشجاره وباعها، وفعل من نحو ذلك كثيرًا. فإذا سُئل الناظر عن هذه الدعوى أنكرها بالكلية، فيؤتى بشاهدين يقولان مثل مقالة المدعي، لا يختلفان في كلمة ولا يفترقان في عبارة؛ فيحكم على الناظر بما شهدا. ولعل الكشف عن الحقيقة في مثل هذه الحادثة يحتاج إلى كثير بحث يتبين منه المحق من المبطل، فلو اختير أحد أعضاء الجلسة لتحقيق تلك الدعاوى إلى أن تصير القضية بينة الوضوح بعيدة عن الإشكال؛ لكان أقرب إلى العدل والإنصاف، وأبعد عن تهمة الاختلاق والكذب، ولاستطاع القضاة أن يصبح في أيديهم من اعترافات المتداعيين بأنفسهم ما يقوم حجة في الدعوى ومرجعا عند التجاحد يأمنون به الخطأ في إجراء الأحكام الشرعية والشغب في المرافعات من غير طائل ولا جدوى، وإلى ذلك المعنى أشار صاحب معين الحكام حيث يقول:"ومنها أن القضية إذا كانت مشكلة فيكشف عن حقيقتها في الباطن، ويستعين بذلك على الوصول إلى الحق". وقال في موضع آخر:"ومنها أنه يجب على القاضي إذا حضر عنده الخصمان أن يسأل المدعي عن دعواه، ويفهمها عنه؛ فإن كانت دعوى لا يجب فيها على المدعى عليه حق، أعلمه بذلك، ولم يسأل المدعى عليه عن شيء، وأمرهما بالخروج عنه. وإن نقص من دعواه ما فيه بيان مطلبه، أمره بتمامه. وإن أتى بإشكال أمره ببيانه؛ فإذا صحت الدعوى سأل المطلوب عنها؛ فإن أقر أو أنكر نظر في ذلك، وإن أبهم جوابه أمره بتفسيره حتى يرتفع الإشكال عنه ..."إلى آخر ما قاله. هكذا كان السلف رحمهم الله يفعلون في الأقضية، تحريًا للحق، وإصابة للعدل، لا ما عليه القضاة اليوم من تجنب الاستفسار في الدعوى والجواب خشية الريبة، ومخافة التهمة، فوقعوا فيما هو شر مما يخافون ويحذرون.

المتبع الآن في المحاكم الشرعية أن المرأة إذا تقدمت إلى القاضي تطالب زوجها بالإنفاق عليها؛ كلفت طلبه، وحددت إحدى الجلسات لنظر دعواها. فإن لم يحضر زوجها يوم الجلسة كلفت إعذاره، وأقيم عنه وكيل، وقضي بالنفقة عليه في غيبته.

وكم يلزمها من المصروفات في الأيام العديدة التي يتم فيها ذلك العمل لتحصل على قوت يومها لنفسها وولدها منه إن كان لها ولد، وربما كانت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت