ومن أجل هذا ذكر في مادة (70) من اللائحة أن القاضي يقيم وكيلًا عن الغائب يعلم أنه يحافظ على حقوقه، ولكن من نظر إلى الحقيقة وما درج عليه قضاة هذا الزمان لا يستريب في أن اشتراط المحافظة على حقوق الغائب إنما وضع في اللائحة تمويهًا على العقول وذرًا للرماد في أعين النظار، فإنهم لم يجعلوا لذلك الوكيل عملًا إلا أنه ينكر الدعوة لتقام البينة في وجهه ويحكم عليه، وتلك وظيفة تؤديها الحيوانات العجم والجمادات الصمّ، فإن عدم الإجابة نوع من الإنكار يسمونه إنكارًا سكوتيًا، وأكمل ما يكون هذا النوع من الإنكار في الحيوانات والجمادات، فإن كان الغرض إقامة البينة بعد الدعوى للحكم بها، فأي باعث لإقامة الوكيل؟ وأي معنى لاشتراط المحافظة على حقوق الغائب؟. إذا كان قصارى عمل ذلك الوكيل أن يكون منكرًا، وهل في الإنكار ما يسمى محافظة على الحقوق في عرف العقلاء؟، وهل يستطيع الاعتراف ويقبل منه حتى يكون الإنكار احتفاظًا؟.
وإذا كانت اللائحة قد جعلت للمحكوم عليه الغائب حق المعارضة في الحكم، وحق الدفع أيضًا، فأي مانع يمنع من سماع الدعوى والحكم عليه في غيبته بلا إقامة وكيل عنه بلا فائدة من إقامته إلا التطويل في العمل والتزام ما لا يلزم من المصروفات، وليس هذا بمبتدع لا أصل له في النصوص الفقهية بل عبارة الفصولين السابقة ترشد إليه حيث قال:"والأحوط ... إلى آخره، وفي معين الحكام:"ولو ادعي على غائب شيئا ليس للقاضي أن ينصب عنه وكيلًا، ولو قضى على الغائب بلا خصيم عنه. ففي نفاذ حكمه روايتان من فتاوى ظهير الدين"، وقال في الفتاوى الصغرى:"والفتوى على نفاذه قريب منه ما في جامع الفصولين والأنقروية والحانية والدر المختار فلا بأس من العمل به وقد ألجأتنا الضرورة إليه وإن تأول تلك النصوص العلامة ابن عابدين بما أطال به حواشية على الدر المختار.
قضت مادة (70) من اللائحة أن القاضي يقيم وكيلًا عن الغائب يعلم أنه يحافظ على حقوقه، ومن البين أن ذلك الوكيل إنما يكون مقتدرا على المحافظة على حقوق الغائب إذا كان من أهل الدراية بطرق المرافعات الشرعية وهم طائفة المحامين، وهؤلاء قد اتخذوا تلك الصناعة من حياتهم