أي مانع من الأعذار المقبولة، فإن تكن الظروف الوقتية قد قضت بعدم الإجبار على الحضور إلى مجلس القضاء في المحاكمات الملية دون المحاكمات البدنية، فتلك الظروف بعينها تقضي أن يتوسع في الأمر؛ حتى لا تكون حاجة إلى المناداة على داره أو حانوته بذلك اكتفاء بإعلامه بالدعوى ويوم الجلسة، ولقد روعي هذا التوسع في الطلب الأول، حتى اكتفي بتسليمه لخادم المدعى عليه وزوجته وعمدة البلد ونحوهم، واتبع ذلك في الإعذارات أيضًا، فهلا استغني عن هذه المناداة والإشهاد بها عن محاضرها.
وما كانت المناداة مشروعة إلا ليسمع المختفي في داره حيث لا يستطاع الحديث معه والقبض عليه لإحضاره مجلس الحكم، أما الآن وقد تجاوزت الحرية الشخصية حدها من العالم، حتى أن الرجل ليقف أمام القاضي يوم الجلسة، حتى إذا شرع المدعي في إقامة دعواه عليه تسلل من بين الجموع وأومأ إلى القاضي أن يعتبره غائبًا، ويحكم عليه في غيبته فلا محيص عن القول بكفاية الإعلان؛ وذلك من الاختلافات التي يقتضيها العصر والزمان لا الحجة والبرهان
لم أحد في كتب الحنفية مما يتعلق بإقامة الوكيل عن الغائب أجمع ولا أوفى ولا أكثر فائدة من قول صاحب جامع الفصولين ما نصه:"وأقول قد اضطربت آراؤهم وبيانهم في مسائل الحكم على الغائب وله، ولم يصف ولم ينقل عنهم أصل قوي ظاهر تنبني عليه الفروع بلا اضطراب ولا إشكال، فالظاهر عندي أن يتأمل في الوقائع ويلاحظ الحرج والضرورات فيفتى بحسبها جوازًا وفسادًا ..."إلى أن قال:"ففي مثل هذه المواضع لو برهن على الغائب بحيث اطمأن قلب القاضي وغلب على ظنه أنه حق لا تزوير ولا حيلة فيه، فينبغي أن يحكم على الغائب وله، وكذا ينبغي للمفتي أن يفتي بجوازه دفعًا للحرج والضرورات، وصيانة للحقوق عن الضياع، مع أنه مجتهد فيه، ذهب إلى جوازه الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل وفيه روايتان عن أصحابنا، والأحوط أن ينصب عن الغائب وكيل يعرف أنه يراعي جانب الغائب، ولا يفرط في حقه فينصب الأولى له ثم الأولى والله أعلم"انتهى.