ما الحيلة إذا كانت المالية لا تسمح للمحاكم الشرعية بشيء من الزيادة في ميزانيتها إلا إذا بلغت النهاية من الإصلاح، ولن تبلغ النهاية ما بقيت المرتبات على حالتها الآن؛ من التناهي في القلة والضيق، وربما أمكن تدارك شيء من ذلك إن لم تسمح المالية بحل ما عقدته في التضييق على المحاكم الشرعية وليس ذلك إلا بالاقتصاد في العمال، على الوجه الآتي بيانه.
مهما أجهد مريد الإصلاح قواه العقلية والبدنية، للوقوف على الأسباب التي قضت على المحاكم الشرعية بالسقوط في مهواة الانحطاط المدني، وواصل الليل بالنهار في تتبع ما عرض لأعمالها من الخلل والاختباط، فوضع لها من النظامات والقوانين ما إذا روعي حق المراعاة كان الكفيل بحسن إدارتها واستقامة أعمالها، فلن يبلغ الغاية من عمله ولا المقصود من مجاهدته، ولا تكاد نظاماته المؤسسة على أقوى دعائم العدل وأقوم السبل وأوضحها تأتي بشيء من النتائج التي يرمي إليها بعنايته، ويتوخاها بقوي عزيمته إذا لم يتخير لها من رجال العلم والفضل وطهارة الذمة، وسعة الاختبار، ودقة النظر، وحسن التصرف في الأمور، وكمال المعرفة بما أحدثته الأيام والليالي في العوائد والأخلاق والمعاملات، من يؤديها حقها، ويوردها مواردها، ويذهب بها مذاهبه، ويتصرف فيها على وفق ما قصد واضعها؛ من إصابة العدل بقدر الطاقة، ودفع الظلم بقدر الاستطاعة، فإذا لا بد لمن يريد أن يرى المحاكم الشرعية وقد أصبحت تزهو بحسن نظامها واستقامة أعمالها، بعد الخبرة برجالها وعمالها، أن يضن بما وصل إليه اجتهاده من قويم النظامات العدلية، أن تعبث به أيدي الجهلاء، وتتلاعب به سخافة السفهاء فلا يولي القضاء إلا من جمع إلى سعة الاطلاع على العلوم العقلية والنقلية، الخبرة بالتقلبات الوقتية والأحوال الزمنية مما لاغنى لقاض عن العلم به وإن كان واحد عصره في الأصول والفروع، فقد يختلف الحكم باختلاف العوائد ويتبدل بتبديل الأزمان، وإني أبرء إلى الله وإلى الناس أن يكون في مقالتي هذه تجريد للمحاكم الشرعية من الرجال الأكفاء الموثوق بهم في باب القضاء وفصل الخصومات، فإن ذلك مما أذهب إليه ولا أحب أن يحمل عليه مقالي، ولكن الحق أحق أن يتبع، أن بين رجال القضاء الشرعي من رؤيته عيب