فهرس الكتاب
على الآخر أنه أقر بأنه مبطل في دعواه الوراثة، وأنه لا حق له في تركة المتوفى، وأن شهوده على دعواه كذبة، وأن الحق والاستحقاق في تلك التركة لخصمه دونه، ومع ظهور أن ذلك تزوير واحتيال، كان القضاة الشرعيون يفسحون في مضابطهم وسجلاتهم لتلك الدعاوى الكاذبة، ليطفئوا نور الحق بأفواههم، حتى صدرت لائحة المحاكم الشرعية الحديثة، وجاء فيها بالمادة (29) إذا ادعي صدور الإقرار عند غير القاضي في أثناء الدعوى والخصومة بين المتخاصمين؛ فلا يعمل به، ولا تسمع دعوى الإقرار بذلك، فضربت على أفواه الوكلاء أن ينطقوا بتلك الدعاوى الكاذبة في مجلس القضاء، وعلى آذان القضاة أن يسمعوا تلك المغيرات، ولكن كثيرا من القضاة تأولوا تلك المادة، وفتحوا بابًا أراد واضعوا تلك اللائحة أن يوصدوه في أوجه المزورين والمحتالين، فقالوا: إن قول المادة: في أثناء الدعوى والخصومة، يتعلق بصدور الإقرار، لا بقوله: ادعي، فيكون الممنوع سماعه بتلك المادة على هذا التأويل؛ هو الإقرار الصادر في أثناء الخصومة عند غير القاضي، وبذلك استبقوا لأنفسهم حق سماع الأقارير التي يزعم مدعوها أنها سابقة على الخصومة، أو يسكتون عن تاريخ صدورها. فعاد الأمر إلى ما كان عليه أولًا، وانفتح ذلك الباب الذي لا يلجه إلا مزور أو محتال؛ فإن الذي يستطيع أن يدعي إقرارًا يسند صدوره إلى حال الخصومة ويأتي عليه بشاهدين؛ لا يعجزه أن يدعي ذلك الإقرار بعينه، ويسنده إلى تاريخ سابق على الخصومة، والدعوى الدعوى، والشاهد الشاهد والقاضي القاضي. وأي فرق بين إقرار يقول مدعيه أن فلانا قد أقر في حال الخصومة أنه لا حق له في دعواه، وأنه مبطل فيها، وأن فلانا وفلانا شهوده عليها كذبة مزورون، وبين قوله أنه أقر بذلك قبل الخصومة، فتقبل البينة على أحدهما دون الآخر. وأن موضع القصد من تلك المادة هو سد الأبواب في وجه مدعي الكذب والبهتان حتى لا يستطيل لسانه إلى غير حقه، لا أن يتأول في المادة بما يخرجها عما ترمي إليه مقاصدها، ويتوخاه واضعها، ثم يقال: هذا حلال وهذا حرام. وإن رجلا لبث جملة أعوام يتردد على أبواب المحاكم الشرعية لإثبات حق في تركة أو وقف مثلا، وأنفق كل ماله أو جله لإثبات ذلك الحق؛ لا يستطيع عاقل أن يتصور أنه يقر على نفسه بأنه مبطل في دعواه؛ وهو لم يزل يطالب بحقه ويقيم الوكلاء لإثباته، ويقرع الأبواب لإدراكه؛ فلو تنبه القضاة إلى موضع القصد من تلك المادة، لما تأولوا فيها بما تأولوا، ولما اشتبه عليهم الأمر في عدم سماع دعوى الإقرار أثناء