فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 279

الشفاف الذي لا يحجب عما وراءه ثم يدركون في تلك الحال التي يسرحون فيها من روائح الجنة وطيبها ونعيمها وسرورها ما يليق بالأرواح مما ترتزق وتنتعش به وأما اللذات الجسمانية فإذا أعيدت تلك الأرواح إلى أجسادها استوفت من النعيم جميع ما أعد الله لها ثم إن أرواحهم بعد سرحها في الجنة ترجع تلك الطير بهم إلى مواضع مكرمة مشرقة منورة عبر عنها بالقناديل لكثرة أنوارها وشدتها وهذه الكرامات كلها مخصوصة بالشهداء كما دلت عليه الآية وهذا الحديث وأما حديث مالك الذي قال فيه إنما نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة فالمراد بالمؤمن فيه الشهيد والحديثان واحد في المعنى وهو من باب حمل المطلق على المقيد وقد دل على صحة هذا قوله في الحديث الآخر إذا مات الإنسان عرض عليه مقعده بالغداة والعشي من الجنة والنار فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة فالمؤمن غير الشهيد هو الذي يعرض عليه مقعده من الجنة وهو موضعه من القبر أو الصور أو حيث شاء الله غير سارح في الجنة ولا داخل فيها وإنما يدرك منزلته فيها بخلاف الشهيد فإنه يباشر ذلك ويشاهده وهو فيها على ما تقدم وبهذا تلتئم الأحاديث وتتفق هذا ما ذكره القرطبي وقال القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب سراج المريدين يجوز أن تودع الروح في جوف طائر أو تكون على هيئة طائر في صفاته ويصل إليها الغذاء وإن كانت وديعة في جوفها من علفها كما يصل إلى المولود من أمه ويكون هذا مخصوصا بالشهداء الذين عجلوا بأنفسهم إلى الموت فعجل الله لهم الثواب والنعيم قبل غيرهم.

وقال القرطبي صاحب التذكرة وهو غير القرطبي شارح مسلم: حديث نسمة المؤمن طائر يدل على أن الروح نفسها تكون طائرا لا أنها تكون فيه ويكون الطائر ظرفا لها وكذا في رواية بن مسعود عند بن ماجة أرواح الشهداء عند الله كطير خضر وفي لفظ عن بن عباس تحول في طير خضر وفي لفظ عن بن عمرو في صور طير بيض وفي لفظ عن كعب أرواح الشهداء طير خضر قال القرطبي وهذا كله أصح من رواية في جوف طير وقال القابسي أنكر بعض العلماء رواية في جوف طير خضر لأنها حينئذ تكون محصورة مضيقا عليها ورد بأن الرواية ثابتة والتأويل محتمل بأن يجعل في بمعنى على والمعنى أرواحهم على جوف طير خضر كقوله تعالى لأصلبنكم في جذوع النخل وجائز أن يسمى الطير جوفا إذا هو محيط به ومشتمل عليه قاله عبد الحق وقال غيره لا مانع من أن تكون في الأجواف حقيقة ويوسعها الله لها حتى تكون أوسع من الفضاء قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت