يؤمر بالإساءة كما لا يؤمر بالفسق، والنقل كقوله - سبحانه وتعالى: {إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشاء} [الأعراف 82] ، وجوز أن ينزل الفعل منزلة اللازم كما في يعطي ويمنع أي وجهنا الأمر.
{فَفَسَقُوا فِيهَا} أي: خرجوا عن الطاعة وتمردوا، واختار الزمخشري أن الأصل أمرناهم بالفسق ففسقوا إلا أنه يمتنع إرادة الحقيقة للدليل فيحمل على المجاز إما بطريق الاستعارة التمثيلية بأن يشبه حالهم في تقلبهم في النعم مع عصيانهم وبطرهم بحال من أمر بذلك أو بطريق الاستعارة التصريحية التبعية بأن يشبه إفاضة النعم المبطرة لهم وصبها عليهم بأمرهم بالفسق بجامع الحمل عليه والتسبب له ويتمم أمر الاستعارة في الصورتين بما لا يخفى، وقيل: الأمر استعارة للحمل والتسبب لاشتراكهما في الإفضاء إلى الشيء وآثر أن تقدير أمرناهم بالطاعة ففسقوا غير جائز لزعمه أنه حذف ما لا دليل عليه بل الدليل قائم على خلافه لأن قولهم أمرته فقام وأمرته فقعد لا يفهم منه إلا الأمر بالقيام والقعود ولو أردت خلاف ذلك كنت قد رمت من مخاطبك علم الغيب، ولا نقض بنحو قولهم: أمرته فعصاني أو فلم يمتثل أمري لأنه لما كان منافيًا للأمر علم أنه لا يصلح قرينة للمحذوف فيكون الفعل في ذلك من باب يعطي ويمنع. اهـ
5 -تفسير سيد طنطاوي: قال أبو حيان - رحمه الله: لما ذكر - تعالى - في الآية السابقة، أنه لا يعذب أحدا حتى يبعث إليه رسولا، بين بعد ذلك علة إهلاكهم، وهى مخالفة أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - والتمادي على الفساد - فقال - سبحانه وتعالى: {وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا. .} .
وقوله - سبحانه وتعالى: {أمرنا} من الأمر الذي هو ضد النهى، والمأمور به هو الإِيمان والعمل الصالح، والشكر لله رب العالمين، وحذف لظهوره والعلم به.
وقوله {مترفيها} جمع مترف، وهو المتنعم الذي لا يمنع من تنعمه، بل يترك يفعل ما يشاء. يقال: ترف فلان - كفرح - أي: تنعم، وفلان أترفته النعمة، أي: أطغته وأبطرته لأنه لم يستعملها في وجوهها المشروعة. والمراد بهم، أصحاب الجاه والغنى والسلطان، الذين أحاطت بهم النعم من كل جانب، ولكنهم استعملوها في الفسوق والعصيان، لا في الخير والإِحسان.