وكان صعصعة جد الفرزدق يفعل مثل ذلك فأمر أبوها بوأدها وأرسلها إلى الحجون لتدفن هناك فلما حفر لها الحافر وأراد دفنها سمع هاتفا يقول لا تئد الصبية وخلها في البرية فالتفت فلم ير شيئا فعاد لدفنها فسمع الهاتف يسجع بسجع آخر في المعنى فرجع إلى أبيها وأخبره بما سمع فقال إن لها لشأنا وتركها فكانت كاهنة قريش فقالت يوما لبني زهرة فيكم نذيرة أو تلد نذيرا فاعرضوا على بناتكن فعرضن عليها فقالت في كل واحدة منهن قولا ظهر بعد حين حتى عرضت عليها آمنة بنت وهب فقالت هذه النذيرة أو تلد نذيرا له شأن وبرهان منير أي فاختيار عبدالمطلب لآمنة من بني زهرة عبدالله واضح من سياق قصة هذه الكاهنة
وأما إختياره لتزوجه بعض نساء بني زهرة فسببه ما تقدم عن الحبر بناء على أن أم عبدالله كانت من بني زهرة وأما جعل الشمس الشامي ما تقدم عن الحبر سببا لتزويج عبدالمطلب إبنه عبدالله إمرأة من بني زهرة ففيه نظر ظاهر إذا كيف يتأتى ذلك مع قوله إذا تزوجت فتزوج منهم بعد قوله ألك شاعة أي زوجة
ثم رأيت أبن دحية رحمه الله تعالى ذكر في التنوير عن البرقى أن سبب تزويج عبدالله آمنة أن عبدالمطلب كان يأتى اليمن وكان ينزل فيها على عظيم من عظمائهم فنزل عنده مرة فإذا عنده رجل ممن قرأ الكتب فقال له ائذن لي أن أفتش منخرك فقال دونك فانظر فقال أرى نبوة وملكا وأراهما في المنافين عبد مناف بن قصي وعبد مناف بن زهرة فلما انصرف عبدالمطلب انطلق بإبنه عبدالله فتزوج عبدالمطلب هالة بنت وهيب فولدت له حمزة وزوج إبنه عبدالله آمنة فولدت له رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا واضح لأنه أسقط قول الحبر لعبدالمطلب هل لك من شاعة إلى آخره فاحتاط عبدالمطلب فتزوج من بني زهرة وزوج ولده عبدالله منهم وحينئذ كان المناسب للبرقى رحمه الله أن يزيد بعد قوله إن سبب تزويج عبدالله آمنة قوله وتزوج عبدالمطلب هالة