فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 243

(1) و يسمي الحنفية أيضًا القياس الحنفي المقابل للقياس الجلي بالاستحسان، ويعللون ذلك بنه أقوى من القياس الظاهر، فيكون الأخذ به مستحسنا ً. انظر (( التوضيح ) )ج 2 ص 82، و (( كشف الاسرار ) )ج 4 ص 1123.

هذا الحكم نفسه عند وقفها دون نص عليها في العقد، أم لا؟ قال الحنفية القياس عدم دخولها والاستحسان دخولها. وتوضيح ذلك: أن وقف الأرض الزراعية يتجاذبها قياسان، الأول: قياسها على البيع، والثاني: قياسها على الإجارة. والأول هو الأظهر المتبادر إلى الذهن، بجامع ما في البيع والوقف من إخراج الملك من مالكه. ومقتضى هذا القياس الجلي عدم دخول الحقوق الارتفاقية في الوقف تبعًا للأرض بدون ذكرها والنص عليها، كما هو الحكم في البيع. والقياس الثاني، أي قياسها بالإجارة، مبناه أن كلًا من الإجارة والوقف، يفيد ملك الانتفاع بالعين ولا يفيد تملك رقبتها، وهذا قياس خفي لا يتبادر إلى الذهن، بل يحتاج إلى شيء من التأمل، ومقتضى هذا القياس دخول الحقوق الارتفاقية في الوقف تبعًا بلا حاجة للنص عليها، كما هو الحكم في الإجارة. فترجيح المجتهد للقياس الخفي على القياس الجلي هو الاستحسان، ووجهه، أي سنده: أن القياس الخفي أقوى تأثيرًا من القياس الجلي، لأن المقصود بالوقف الانتفاع من الموقوف لا تملك رقبته كما قلنا، وحيث أن الانتفاع لا يتأتى بدون حقوقها الارتفاقية، فيلزم دخولها في الوقف تبعًا كما هو الحكم في الإجارة.

ب- ومن الأمثلة عل استثناء مسألة جزئية من أصل كلي، جواز وصية المحجور عليه لسفه في وجوه الخير، فقد جازت هذه الوصية استحسانًا، والقياس عدم الجواز. وكذلك وقفه على نفسه جاز استحسانًا، والقياس عدم الجواز.

وتوضيح هذا الاستحسان في هاتين المسألتين، أن القاعدة العامة تقضي بعدم صحة تبرعات المحجور عليه لسفه حفظًا لماله، ولكن أستثنيت وصيته في وجوه البر من هذه القاعدة العامة، لأن الوصية لا تفيد الملك إلا بعد وفاة الموصي.

والوقف كالوصية، يحفظ المال على السفيه، فلا يؤثر هذا الاستثناء في الغرض من القاعدة العامة.

209 -أنواع الاستحسان:

الاستحسان قد يكون استثناء جزئيًا من أصل كلي، أو ترجيح قياس خفي على

قياس جلي، كما مثلنا، و هذه قسمة الاستحسان وأنواعه بالنظر الى ما عدل عنه، وما عدل إليه. وقد ينظر الى الاستحسان من جهة مستنده، أي دليله، أو ما يعبر عنه في الكتب الفقهية بوجه الاستحسان، فيتنوع إلى الأنواع التالية:

210 -أولًا: الاستحسان بالنص - أي ما كان مستنده النص:

وهو أن يرد من الشارع نص خاص في جزئية يقتضي حكمًا لها على خلاف الحكم الثابت لنظائرها بمقتضى القواعد العامة. فالنص يستثني هذه الجزئية من الحكم الثابت لنظائرها بمقتضى الأصل الكلي. فالقاعدة العامة، والأصل الكلي، يقضيان ببطلان بيع المعدوم، ولكن استثني السلم: وهو بيع ما ليس عند الإنسان وقت العقد، بنص خاص وهوما روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: (( من أسلف منكم فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم الى أجل معلوم ) ). ا ومثله أيضًا خيار الشرط، فقد جاز استحسانًا لورود النص في السنة بجوازه إلى ثلاثة أيام، استثناء من الأصل الكلي في العقود القاضي بلزومها.

211 -ثانيًا: الاستحسان بالإجماع:

كعقد الاستصناع، فهو جائز استحسانًا، والقياس عدم جوازه لأنه عقد على معدوم، و إنما جاز استثناء من القاعدة العامة، ووجه الاستحسان جريان التعامل به بين الناس دون إنكار من أحد فكان إجاماعًا. ومثله أيضًا: دخول الحمامات. بأجر معلوم، فالقاعدة العامة تقضي بفساده لجهالة ما يستهلكه الداخل من الماء، وجهالة المدة التي يمكثها في الحمام، ولكنه جاز استثناء من القاعدة العامة استحسانًا لجريان العرف به دون إنكار من أحد دفعًا للحرج عن الناس فكان إجماعًا.

212 -ثالثًا: استحسان سنده العرف:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت