والحكمة في هذا كله: أن تعذيب الجسد وتحميله المشاق بلا غرض مشروع ولا مصلحة يعد من العبث، فليس للشارع مصلحة في إيذاء الجسد، بل المصلحة في حفظه والعناية به، حتى يستطيع المكلف القيام بمصالح الأعمال، ولكن إذا وجد ما يدعو الى تحمل المشاق من تحقيق مصلحة أو غرض نبيل أو مقصد مشروع أبيح أو ندب للمكلف أو وجب عليه تحمل الأفعال الشاقة.
وعلى هذا الأساس يجب أن نفهم ما روي من سيرة أسلافنا الصالحين، و أخذهم نفوسهم بالشدة و ضنك العيش، والخشن من اللباس والطعام، فعمر بن الخطاب و علي بن أبي طالب و عمر بن عبد العزيز و أمثالهم، كانوا يأخذون نفوسهم بالشدة و الخشونة لأنهم ولاة أمور، و في مقام القدوة للأمة فحسن منهم مثل هذه، التصرفات و حمدوا من أجل غايتهم منها.
و كذلك يمدح الإيثار على النفس و إن أدى إلى تحمل الشدة و الضيق في
(1) رواه البخاري، انظر (( رياض الصالحين ) )للنووي ص 92.
(2) (( رياض الصالحين ) )ص 86.
العيش، لما في الإيثار من عون المحتاجين وتقديمهم على النفس. وكذلك يحمد
الشخص عل الابتعاد عن أبواب الظلمة وعدم معاونتهم، ولو أدى به ذلك إلى الضيق في الرزق والخشونة في العيش.
فالمشاق وخشونة العيش في مثل هذه الأحوال محمودة لا لذات المشقة، ولكن لأنها جاءت من أجل غرض مشروع وقصد نبيل، أما في غير هذه الحالات فلا مدح ولا ثناء للمعرضين أنفسهم الى الشدة والضيق.
المبحث الثاني
المحكوم فيه من ناحية الجهة التي يضاف إليها
72 -افعال المكلفين التي تعلقت بها الأحكام الشرعية: إما أن يكون المقصود بها مصلحة عامة أو خاصة، فإن كان المقصود بها مصلحة المجتمع عامة فالغفل هو
حق الله تعالى، وإن كان المقصود بها مصلحة خاصة فالفعل هو حق العبد، وقد
يجتمع في الفعل حق الله و حق العبد، ويكون حق الله هو الغالب أو حق العبد هو
الغالب. و نتكلم فيما يلي عن كل نوع من هذه الأنواع على حدة.
73 -حق الله:
حق الله، هو حق المجتمع، ولهذا يعرفونه بأنه ما تعلق به النفع العام من غير اختصاص بأحد، و لهذا نسب إلى رب الناس جميعًا لعظم خطره وشمول نفعه (1) . وهذا الحق لا يجوز إسقاطه ولا يحق لأحد التنازل عنه أو الخروج عليه، فهو كالنظام العام عند القانونيين.
وقد وجد بالاستقراء: أن حقوق الله الخالصة هي ما يأتي (2) :
أولًا: العبادات المحضة: كالإيمان والصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد، ونحوها، فالإيمان وما بني عليه، يقصد به: تحصيل ما هو ضروري وهو