فهرس الكتاب

الصفحة 225 من 243

388 -تجزء الاجتهاد:

معنى تجزء الاجتهاد: هو كون العالم مجتهدًا في مسألة دون غيرها، أي أن يكون قادرًا على الاجتهاد في بعض المسائل دون البعض، نظرًا لتوافر وسائل الاجتهاد له في هذه المسائل. كمن أحاط بجميع أدلة الميراث ونصوصه وما ورد فيه

من السنة ومن أقوال العلماء، فإن له ان يجتهد في هذه المسائل، وإن كان غير قادر على الاجتهاد في غيرها، لعدم توافر وسائل الاجتهاد عنده فيها.

وذهب بعض العلماء إلى منع تجزء الاجتهاد، والقول الأول هو الراجح، وتدلّ عليه سير المجتهدين القدامى، فقد كان أحدهم يسأل عن مسائل كثيرة فلا يجيب إلا عن بعضها، ويتوقف عن الباقي ويقول: لا أدري.

الفصل الثاني

التقليد

389 -التقليد في اللغة: مأخوذ من القلادة التي يقلد الإنسان غيره بها. وفي الاصطلاح: قال الغزالي: (( هو قبول قول بلا حجة ) ). وقال غيره: (( التقليد هو العمل بقول من ليس قوله إحدى الحجج بلا حجة ) ). وقال آخرون في معناه: إنه (( قبول قول القائل وأنت لا تعلم من أين قاله ) ). ويخلص لنا من هذه التعاريف: إن التقليد يعني أخذ رأي الغير بلا معرفة دليله و لا قوته، كمن يرى جواز فسخ النكاح للعيب، لأن المجتهد الفلاني قال هذا القول دون أن يعرف دليله، وقوة هذا الدليل.

390 -حكم التقليد:

الأصل في الشريعة ذم التقليد، لأنه اتباع بلا دليل ولا برهان، فضلًا عما يؤدي إليه من تعصب ذميم بين جموع المقلدين.

وقد اختلف العلماء في جواز التقليد في الأحكام الشرعية العملية، فذهب جمع الى عدم الجواز مطلقًا، و أوجبوا على المكلف الاجتهاد وتعلم وسائله وأدواته. وقال آخرون بالجواز مطلقًا للقادر على الاجتهاد وللعاجز عنه. وذهب البعض إلى التفصيل: الجواز في حق العاجز، والتحريم في حق المجتهد القادر، وهذا القول هو الراجح.

وقد أكثر الناس الكلام في مسألة التقليد دفاعًا عنه وهجومًا عليه، واشتدت اللجاجة والخصومة بين الفريقين.

والذي أراه: أن المسألة واضحة هينة لا ينبغي أن تكون مثار جدل وكلام طويل، ذلك أن المطلوب من كل مكلف هو طاعة الله ورسوله، وعلى هذا دلت النصوص الكثيرة الصريحة من ذلك قوله تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ

تُرْحَمُونَ [آل عمران:132] {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر:7] {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء:65] {اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ} [الأعراف:3] .

فالواجب إذن، على كل مكلف، بلا استثناء، طاعة الله و رسوله، وهذا الواجب يستلزم حتمًا معرفة ما شرعه الله جل جلاله في القرآن، أو على لسان رسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم -. و معرفة ما شرعه الله إنما تكون بالرجوع الى نصوص القرآن والسنة واستفادة الأحكام منها بعد فهمها ومعرفة المراد منها. فإن لم يجد المكلف الحكم صريحًا في هذه النصوص تحول إلى الاجتهاد كما أمر الشرع، فيجتهد في نطاق الشريعة وفي ضوء مبادئها العامة وفي ظل مقاصدها ومعانيها. هذا هو السبيل القويم للتعرف على الأحكام. ولا شك أن سلوك هذا السبيل يستلزم قدرًا معينًا من المعرفة والإدراك، يقل و يكثر حسب حال الشخص وعلمه حتى يصل إلى الحد الذي يؤهله لمنصب الاجتهاد الرفيع .. فإذا عجز المكلف عن معرفة الأحكام بهذا الطريق فإن عليه أن يعمل، كما أمره الله، فيسأل أهل العلم عن حكم الله في الواقعة التي يريد معرفة حكمها، قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43، الأنبياء:7] . ولا يلزمه أن يسأل عالمًا معينًا، ولا يتقيد بواحد بعينه، لأن الله لم يلزمه بهذا، ولا التزام بلا إلزام شرعي، والآية الكريمة أمرته بسؤال (( أهل العلم ) )لا عالمًا معينًا، و إنما عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت