أن رفع الدعوى من اختصاص النيابة العامة، وليس لولي القتيل أن يعفو عن الجاني، بل العفو موكول لولي الأمر.
كما أن مسلك الشريعة في جريمة الزنى يختلف عن مسلك القوانين الوضعية، فالزنى في هذه القوانين الأخيرة: ليس جريمةً، إلا إذا كانت بإكراه، أو كانت المزني بها قاصرةً، أو كان الجاني من أصول المجني عليه. فالزنى بذاته لا يعتبر جريمة إلا لاقترانه بأمر آخر. كما أن زنى الزوجة يعتبر في هذه القوانين جريمة، لمساسه بحق الزوج، فكان العقاب فيه من الحق الخاص، أي من حق الزوج، ولهذا لا ترفع الدعوى إلا من زوجها، وله أن يوقف إجراءاتها، و إذا حكم عليها فله أن يوقف تنفيذ الحكم (1) .
أما للشريعة الإسلامية فإنها تسلك مسلكًا آخر. إذ أنها تجعل عقوبة الزنى حقًا خالصًا لله، أي حقًا للمجتمع، وليس فيها حق خاص، ومن ثم لا يسقط حق الزنى
بإسقاط أحد، كما أن رفع الدعوى يتم من قبل النيابة العمومية، بل ولكل فرد أن
يقيم الدعوى في هذه الجريمة، لأنها من دعاوي الحسبة.
(1) أنظر المواد 232 - 236، 240 من قانون العقوبات البغدادي القديم، و قد سلك نفس المسلك قانون العقوبات العراقي الجديد رقم 111 لسنة 1969.
الفصل الرابع
المحكوم عليه
77 -المحكوم عليه: هو الشخص الذي تعلق خطاب الشارع بفعله، و يسميه علماء الأصول: بالمكلف (1) .
78 -شروط صحة التكليف:
يشترط في الإنسان حتى يصح تكليفه شرعًا: أن يكون قادرًا - بنفسه أو بالواسطة - على فهم خطاب التكليف الموجه إليه، ويتصور معناه بالقدر الذي يتوقف عليه بالامتثال، لأن الغرض من التكليف الطاعة و الامتثال، ومن لا قدرة له على الفهم لا يمكنه الامتثال.
والقدرة على الفهم إنما تكون بالعقل، وبكون خطاب الشارع مما يمكن فهمه ومعرفة المراد منه. ولما كان العقل أمرًا باطنًا لا يدرك بالحس، وغير منضبط، و متفاوتًا في أفراد الناس، فقد أقام الشارع البلوغ، الذي هو أمر ظاهر منضبط، مقام العقل لأنه مظنته، وجعل مناط التكليف بلوغ الإنسان عاقلًا، وحط عنه التكليف قبله تخفيفًا عنه.
ودليل ذلك، قوله عليه الصلاة والسلام: (( رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وفي رواية (( حتى
يعقل )) (2) . فإذا بلغ الإنسان الحلم، وكانت أقواله و أفعاله جاريةً على حسب المألوف
(1) (( تيسير التحرير ) )ج 2 ص 395.
(2) الآمدي ج 1 ص 216، (( إرشاد الفحول ) )للشوكاني ص 11.
المعتاد بين الناس، مما يستدل به على سلامة عقله، حكم بتكليفه لتحقق شرط التكليف: و هو البلوغ عاقلًا. فالمكلف إذن هو البالغ العاقل (1) دون غيره من صبي