المبحث الثاني
التعارض والترجيح
374 -قلنا: إن الأدلة الشرعية لا تتعارض أبدًا، و إنما يقع التعارض بينها في نظر المجتهد. ولهذا فهو تعارض ظاهري، وبالنسبة للمجتهد، وليس هو بتعارض حقيقي. وهذا التعارض الظاهري يعني اقتضاء كل واحد من الدليلين المتعارضين في وقت واحد حكمًا معينًا في الواقعة المعينة التي يبحث المجتهد في معرفة حكمها، ويكون هذا الحكمان متعارضين أي مختلفين.
ويشترط لوقوع هذا التعارض الظاهري: أن يكون الدليلان في قوة واحدة كآيتين من القرآن الكريم، أو كحديثين من سنة الآحاد. وفي هد الحالة يبحث المجتهد عن تاريخ ورود النصين، فإن علم تاريخهما حكم بأن المتأخر منهما ناسخًا للمتقدم. مثال ذلك: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} و قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} .
أفادت الآية الأولى: أن عدة المرأة المتوفى عنها زوجها سنة، وكان هذا في أول الإسلام، وأفادت الآية الثانية: أن عدة المرأة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام، وحيث أن هذه الآية متأخرة في النزول عن الأولى فتكون ناسخة لها، ويكون حكمها هو الثابت.
ومثاله أيضًا: الآية: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} و قوله تعالى: وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ
حَمْلَهُنَّ [الطلاق:4] .
دلت الآية الأولى: عل أن عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرًا، لا فرق بين حامل وغير حامل، و دلت الآية الثانية: على أن عدة الحامل المتوفى عنها زوجها تنتهي بوضع الحمل.
وقد ذهب الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود، إلى أن الآية الثانية متأخرة في النزول عن الآية الأولى، فتكون ناسخة لها بالنسبة للحامل، فتعتد بوضع الحمل طالت مدته أو قصرت.
375 -وإذا لم يعلم تاريخ ورود النصين المتعارضين، لجأ المجتهد إلى ترجيح أحد النصين على الآخر بطريق من طرق الترجيح الآتية:
أولًا، يرجح النص على الظاهر (1) :
ومثاله: قوله تعالى، بعد أن بين المحرمات من النساء: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} [النساء:24] .
ظاهر الآية يدل على إباحة الزواج بأكثر من أربع زوجات من غير المحرمات من النساء. ولكن هذا الظاهر عارضه قوله تعالى: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} فهذه الآية نص في تحريم نكاح ما زاد على الأربع، فيرجح على ظاهر الآية الأولى، ويحرم نكاح ما زاد على أربع زوجات.
ثانيًا: يرجح المفسر على النص:
و مثاله قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (( المستحاضة تتوضأ لكل صلاة ) )نص في إيجاب الوضوء على المستحاضة لكل صلاة ولو في وقت واحد، لأن هذا المعنى هو المتبادر فهمه، والمقصود أصالة من سياق الحديث ولكنه يحتمل التأويل، و قد عارضه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الرواية الثانية لهذا الحديث وهي: (( المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة ) )أي ليس عليها إلا وضوء واحد في وقت كل صلاة ولو صلت في الوقت عدة