ومحل اختلاف العلماء في حجية قول الصحابي ليس على إطلاقه، بل فيه تفصيل: - أولًا: قول الصحابي فيما لا يدرك بالرأي والاجتهاد، حجة عند العلماء، لأنه محمول على السماع من النبي - صلى الله عليه وسلم - فيكون من قبيل السنة، والسنة مصدر للتشريع.
وقد مثل الحنفية لهذا النوع، بما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: إن
أقل الحيض ثلاثة أيام. وبما ثبت عندهم من قول بعض الصحابة في أن أقل المهر عشرة دراهم.
ثانيًا: قول الصحابي الذي حصل عليه الاتفاق يعتبر حجة شرعية، لأنه يكون إجماعًا. وكذلك قول الصحابي الذي لا يعرف له مخالف يكون من قبيل الإجماع السكوتي، وهو أيضًا حجة شرعية عند القائلين بالإجماع السكوتي.
ثالثًا: قول الصحابي لا يعتبر حجة ملزمة عل صحابي مثله، فقد رأينا الصحابة يختلقون فيما بينهم، ولم يلزم أحدهم الآخر بما ذهب إليه.
رابعًا: قول الصحابي الصادر عن رأي واجتهاد. وهذا هو الذي حصل فيه اختلاف، هل يكون حجة على من جاء بعدهم أم لا؟ (1) .
245 -ذهب بعض العلماء إلى أنه حجة شرعية، وعلى المجتهد أن يأخذ بقول الصحابي إذا لم يجد الحكم في الكتاب ولا في السنة ولا في الإجماع. وإذا اختلف
الصحابة، فعليه أن يتخير من أقوالهم.
وذهب البعض الآخر من العلماء إلى أنه ليس بحجة شرعية، و لا يلزم المجتهد أن يأخذ بقول الصحابي، بل علمه أن يأخذ بمقتضى الدليل الشرعي.
احتج الأولون بأن احتمال الصواب في اجتهاد الصحابي كثير جدًا، واحتمال الخطأ قليل جدًا. لأن الصحابي شاهد التنزيل ووقف على حكمة التشريع وأسباب النزول، ولازم النبي - صلى الله عليه وسلم - ملازمة طويلة أكسبته معرفة بالشريعة، و ذوقًا لمعانيها، وكل هذا يجعل لآرائهم منزلة أكبر من آراء غيرهم، و يجعل اجتهادهم أقرب إلى الصواب من اجتهاد غيرهم.
واحتج الآخرون بأننا ملزمون باتباع الكتاب والسنة، وما أرشدت إليه نصوصهما من أدلة، وليس قول الصحابي واحدًا منها، والاجتهاد بالرأي عرضة للخطأ و الصواب، لا فرق في هذا بين صحابي وغيره، وإن كان احتمال الخطأ
(1) (( شرح مسلم الثبوت ) )ج 2 ص 185 و ما بعدها.
بالنسبة للصحابي أقل. و الذي نرجحه: أن قول الصحابي ليس حجة ملزمة، و لكن نميل إلى الاخذ به حيث لا نص في الكتاب ولا في السنة ولا في الإجماع، ولا يوجد في المسألة دليل آخر معتبر. ففي هذه الحالة نرى أن الأخذ بقول الصحابي أولى.
الفصل العاشر
الدليل العاشر
شرع من قبلنا
المقصود بشرع من قبلنا: