فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 243

أما الجمهور، فيقولون عن المسالة الأولى: إن نهي الشارع عن عقد معناه عدم الاعتداد به إذا وقع، فلا تترتب عليه آثاره الشرعية، و يلحق صاحبه الإثم في الآخرة.

ويقولون عن المسألة الثانية: إن النهي في الحالتين سواء، فلا فرق بين النهي عن عقد لأمر يتصل بأصل العقد وأركانه، وبين النهي عنه لأمر يتصل بأوصافه، ففي الحالتين لا يعتبر العقد المنهي عنه ولا تترتب عليه آثاره.

أما الحنفية، فيقولون عن المسألة الأولى: إن النهي يترتب عليه الإثم، ولكن لا يترتب عليه بطلان العقد دائمًا.

ويقولون عن المسألة الثانية: إن النهي إن كان راجعًا إلى أمر يتصل بأركان العقد، كان معناه بطلان العقد وعدم اعتباره إذا وقع: كبيع الميتة وبيع المجنون، و إذا كان النهي لأمر يتصل بأوصاف العقد، كان العقد فاسدًا لا باطلًا وترتبت عليه بعض الآثار (2) .

(1) (( تيسير التحرير ) )ج 2 ص 391 و ما بعدها، الآمدي ج 1 ص 187 و انظر في هذا (( كشاف القناع ) )ج 2 ص 5 و ما بعدها، (( الشرح الكبير ) )للدردير ج 3 ص 60 (( بدائع الصنائع ) )للكاسائي ج 5 ص 299 و ما بعدها، (( حاشية البجيرمي ) )ج 2 ص 222 و ما بعدها، (( الكنز ) )للزيلعي ج 4 ص 60 - 61 مقدمات ابن رشد ج 2 ص 213 و ما بعدها.

(2) انظر (( المستصفى ) )للغزالي ج 1 ص 60 - 61، و ج 2 ص 9 و ما بعدها.

الفصل الثاني

الحاكم

61 -قلنا في تعريف الحكم: إنه خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين طلبًا أو تخييرًا أو وضعًا.

وهذا التعريف يشير إلى أن مصدر الأحكام في الشريعة الإسلامية هو الله تعالى وحده.

وعلى هذا فالحاكم، أي الذي يصدر عنه الحكم، هو الله وحد، فلا حكم إلا ما حكم به، ولا شرع إلا ما شرعه، وعلى هذا دل القرآن وأجمع المسلمون، ففي القرآن قوله تعالى:

{إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [الأنعام:57. يوسف:40، 67] {أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ} [الأنعام:62]

وعلى هذا الأساس كان الحكم بغير ما أنزل الله كفرًا، لأنه ليس لغير الله سلطة إصدار الأحكام، قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} ، و ما وظيفة الرسل إلا تبليغ أحكام الله، وما وظيفة المجتهدين إلا التعرف على هذه الأحكام والكشف عنها بواسطة المناهج والقواعد التي وضعها علم الأصول.

62 -و إذا كان الإجماع منعقدًا على أن الحاكم هو الله، إلا أن العلماء اختلفوا في مسألة، و إن شئنا قلنا في مسألتين، ومهما:

الأولى: هل أحكام الله لا تُعرف إلا بواسطة رسله، أو يمكن للعقل أن يستقل بإدراكها، وعلى أي أساس يكون ذلك؟

الثانية - وإذا أمكن للعقل أن يدرك حكم الله دون وساطة الرسول، فهل يكون هذا الإدراك مناط التكليف وما يتبعه من ثواب وعقاب في الاجل، ومدح وذم في العاجل؟

اختلف العلماء في هاتين المسألتين، ونحن نجمل أقوالهم فيما يلي، ثم نتبع ذلك ببيان الراجح منها (1) .

63 -القول الأول: وهو مذهب المعتزلة، و فريق من الجعفرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت