النوع الرابع: حكم سكت عنه القرآن وجاءت به السنة، لأن السنة مستقلة بتشريع الأحكام وإنها كالقرآن في هذا الباب، دل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (( أَلَا وَإِنِّيَّ أُتِيتُ القُرْآنَ ومِثْلَه مَعَهُ ) )،أي أوتيت القرآن وأوتيت مثله من السنة التي لم ينطق بها القرآن. وأمثلة هذا النوع كثيرة، منها: تحريم الحمر الأهلية، وأكل كل ذي ناب من السباع، ومخلب من الطير، وكالحكم بشاهد ويمين، وجواز الرهن في الحضر ووجوب الدية على العاقلة، وميراث الجدة، ونحو ذلك.
168 -دلالة السنة على الأحكام:
قلنا: إن السنة من حيث ورودها قد تكون قطعية: كما في السنة المتواترة، وقد تكون ظنية: كما في غير السنة المتواترة، أي سنة الآحاد والسنة المشهور. وأما من جهة دلالتها على الأحكام فقد تكون ظنية أو قطعية، فهي كالقرآن من هذه الجهة.
وتكون الدلالة ظنية: إذا كان اللفظ يحتمل أكثر من معنى، أي يحتمل التأويل. فمن القطعية قوله عليه السلام: (( في خمس من الابل شاة ) )، فلفظ (( خمس ) )يدل دلالة قطعية على معناه، ولا يحتمل غيره، فيثبت الحكم لمدلول هذا اللفظ، وهو وجوب اخراج شاة زكاة عن هذا المال. ومن الظنية قوله عليه السلام: (( لا صلاة إلا بفاتِحَةِ الكتاب ) )، فهذا الحديث يحتمل التأويل، فيجوز أن يحمل على أن الصلاة لا تكون
1 -الشوكاني ص 33.
صحيحة مجزية إلا بفاتحة الكتاب، ويحتمل أن يكون المراد: أن الصلاة الكاملة لا تكون إلا بفاتحة الكتاب، وبالتأويل الأول أخذ الجمهور، وبالتأويل الثاني أخذ الحنفية.
الفصل الثالث
الدليل الثالث
الإجماع
169 -تعريف الاجماع:
الإجماع في اللغة: العزم والتصميم على الشيء، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (( لا صيام لمَن لم يُجَمِّعِ الصيامَ من الليل ) )، أي لم يعزم عليه. ويقال: أجمع فلان على الأمر، أي عزم عليه وصمم. ومن معناه أيضًا: الاتفاق، ومنه قوله تعالى: (( فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ) ) [يونس:71] .
ويقال: أجمع القوم علي كذا، أي اتفقوا عليه مع العزم والتصميم، وهو بهدا المعنى لا يتصور حصوله إلا من أكثر من واحد، بخلاف المعنى الأول إذ يصح من الواحد.
وفي اصطلاح الأصوليين، الإجماع: هو اتفاق المجتهدين من الامة الإسلامية في عصرمن العصور، على حكم شرعي، بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم (2)
170 -وينبني على التعريف الاصطلاحي مايأتي:
أولًا: اتفاق غير المجتهدين لايعتد به.
1 -وقد عرف بعض علماء الجعفرية الإجماع بانه اتفاق أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أمر من الامور. او اجتماع المجتهدين من هذه الامة في عصر على أمر. (( كتاب الأرائك ) )ص 176، وانظر تعاريف أخرى في كتب اخرى مثل