فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 243

166 -القول الراجح:

مع تسليمنا بأن الحنفية والمالكية ما اشترطوا هذه الشروط إلا ليطمئنوا على صحة السنة ونسبتها الى الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن قولهم مرجوحح، وقول غيرهم هو الراجح. لأن السنة متى صحت روايتها بأن رواها العدول الثقاة الضابطون، لزم اتباعها، والأخذ بها، واستنباط الأحكام منها، سواء وافقت عمل أهل المدينة أم خالفته، وسواء اتفقت مع الأصول المقررة ومقتضى القياس أم لم تتفق، وسواء عمل راويها بها أولم يعمل، وسواء كانت في أمر يكثر وقوعة أو يقل، لأن أهل المدينة جزء من الأمة لا كلها، والعبرة بما يرويه الراوي لا بما يعمل به، إذ ربما يعمل بخلاف ماروى خطأً أو نسيانًا أو تأويلًا، فهو غير معصوم. وكون الأمر الذي جاءت به السنة كثير الوقوع لا تأثير له في قبول، أو رد أخبار الآحاد، لأن الحاجة لمعرفة حكم ما يقل وقوعه كالحاجة لمعرفة حكم ما يكثر وقوعه، وكلاهما قد ينقله الآحاد، فضلًا عن أن الكثرة أو القلة لا ضابط لها في هذا الباب.

1 - (( أصول ) )السرخسي ج 1 ص 341.

أما التشبث بمخالفة سنة الآحاد للأصول فغير مقنع، لأن السنة هي التي تؤصل الأصول، فإذا جاءت بحكم يخالف الأصول الثابته، فإنها تعتبر أصلًا قائمًا بنفسه يعمل في دائرته، كما في السلم، مع أنه بيع معدوم 0 والاستقراء دل على أن المردود من سنة الآحاد الصحيحة السند، بحجة المخالفة للأصول، انه في الحقيقة موافق للأصول لا مخالف لها.

فحديث المصراة الذي ردوه بحجة المخالفة للأصول، غير مخالف للأصول التي قالوها، فقاعدة (( الخراج بالضمان ) )لا تعمل هنا، لأن اللبن المصرَّى لم يحدث بعد الشراء، وإنما كان قبله، فليس هومن قبيل الغلة التي تحدث عند المشتري حتى يستحقه.

وقاعدة (( الضمان ) )لا تعمل هنا أيضًا، لتعذر معرفة مقدار اللين الحادث عند المشتري لاختلاطه باللين الذي كان قبل الشراء، فلا يمكن الضمان بالمثل،0 وإنما صار الرد بصاع من تمر لأن التمر أقرب المثليات إلى اللبن، بجامع أن كلًا منهما مكيل، ومطعوم، ومقتات (1) ، فأين المخالفة للقياس والأصول؟

وأما التشبث بعدم ققه الراوي، فقول غير مستساغ، لأن رواة السنة عندهم من الفقه، لملازمتهم للرسول صلى الله عليه وسلم، ما يكفي للاطمئنان بصحة نقلهم، وأنه لم يفتهم شيء من معناه، فضلًا عن معرفتهم بأساليب العربية وبيانها. وعلى هذا فقول الجمهور هو الراجح، فكل سنة صحت بأن رواها الثقات الضابطون وجب المصير اليها، وعدم الالتفات إلى ما خالفها، ومن خالفها كائنًا من كان، لأن الله تعبدنا باتباع سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولا سبيل للوصول إليها إلا عن طريق الرواة، فإذا ثبت عندنا ضبطهم وعدالتهم أو ترجح ذلك، كان دليلًا على صحة نسبتها للرسول صلى الله عليه وسلم إما على سبيل العلم القاطع أو الظن الراجح، وكلاهما يوجبان العمل بها شرعًا.

167 -الأحكام التي جاءت يها السنة:

1 -انظر الرد على من رد حديث المصراة في كتاب (( أعلام الموقعين ) )ج 1 ص 366 وما بعدها.

النوع الأول: أحكام موافقة لأحكام القرآن ومؤكدة لها، ومن هذا النوع: النهي عن عقوق الوالدين، وعن شهادة الزور وقتل النفس، ونحو ذلك.

النوع الثاني: مبينة لمعاني القرآن ومفصله لمجمله، من ذلك: السنة التي بينت مناسك الحج، ونصاب الزكاة، ومقدارها، ومقدار ما يقطع فيه السارق، ونحو ذلك.

النوع الثالث: قد تأتي السنة بأحكام مقيدة لمطلق القرآن، أو مخصصة لعامه، كما سيأتي بيان ذلك في محله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت