الفصل الخامس
الدليل الخامس
الاستحسان
206 -تعريف الاستحسان:
الاستحسان في اللغة: عد الشيء حسنًا، ويطلق أيضًا على ما يهواه الإنسان، ويميل إليه وإن كان مستقبحًا عند غيره.
وفي الاصطلاح، عرف بتعاريف كثيرة (1) ، منها ما قاله البزدوي: (( الاستحسان: هو العدول عن موجب قياس إلى قياس أقوى منه، أو هو تخصيص قياس بدليل أقوى منه ) ).
وقال الفقيه الحلواني الحنفي: (( الاستحسان: ترك القياس لدليل أقوى منه من كتاب أو سنة أو إجماع ) ).
وعرفه الإمام الكرخي الحنفي بقوله: (( الاستحسان: هو أن يعدل الإنسان عن أن يحكم في المسألة بمثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه، لوجه يقتضي العدول عن الأول ) ).
وعرفه ابن العربي المالكي: (( الاستحسان: هو إيثار ترك مقتضى الدليل عن
(1) (( روضة الناظر و جنة المناظر ) )ج 1 ص 407 و ما بعدها، الآمدي ج 4 ص 209 و ما بعدها، (( كشف الأسرار ) )ج 4 ص 1132، (( المسودّة ) )ص 455.
طريق الاستثناء و الترخص لمعارضة ما يعارضه في بعض مقتضياته )) .
و عرفه بعض الحنابلة بقوله: (( الاستحسان: هو العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل شرعي خاص ) ).
207 -و يستفاد من مجموع هذه التعاريف أن المقصود بالاستحسان هو رد العدول عن قياس جلي إلى قياس خفي، أو استثناء مسألة جزئية من أصل كلي،
لدليل تطمئن إليه نفس المجتهد يقتضي هذا الاستثناء أو ذاك العدل.
فإذا عرضت للمجتهد مسألة يتنازعها قياسان: الأول ظاهر جلي يقتضي حكمًا معينًا، والثاني قياس خفي يقتضي حكمًا آخر، وقام في نفس المجتهد دليل يقتضي ترجيح القياس الثاني على القياس الأول، أو العدول عن مقتضى القياس الجلي إلى مقتضى القياس الخفي، فهذا العدول أو ذلك الترجيح هو الاستحسان (1) ، والدليل الذي اقتضى هذا العدول يسمى بوجه الاستحسان، أي سنده. والحكم الثابت بالاستحسان هو الحكم المستحسن، أي الثابت على خلاف القياس الجلي.
وكذلك إذا عرضت للمجتهد مسألة تندرج تحت قاعدة عامة أو يتناولها أصل كلي، ووجد المجتهد دليلًا خاصًا يقتضي استثناء هذه الجزئية من الأصل الكلي، والعدول بها عن الحكم الثابت لنظائرها إلى حكم آخر، للدليل الخاص الذي قام في نفسه فهذا العدول الاستثنائي هو الاستحسان، والدليل الذي اقتضاه هو وجه الاستحسان، أي سنده، والحكم الثابت به هو الحكم المستحسن، أي الثابت على خلاف القياس، والقياس هنا هو الأصل الكلي أو القاعدة العامة.
208 -الأمثلة:
أ- الحكم المقرر في الفقه الحنفي أن الحقوق الارتفاقية، كحق الشرب والسيل والمرور للأرض الزراعية، لا تدخل في عقد البيع دون النص عليها، فهل يثبت