موجود في استنباط الأحكام من السنة ومن القرآن وفي شروط صحة السنة وفي دلالتها على الأحكام. وكذلك يوجد اختلاف في فهم بعض نصوص القرآن، وما قال أحد بلزوم ترك السنة وعدم استنباط الأحكام منها منعًا للاختلاف.
وأصل المسألة: أن الاختلاف في استنباط الأحكام الشرعية العملية سائغ مادام هذا الاختلاف في وجهات النظر في أمور اجتهادية، ولا يوجد نص صريح قطعي في حكم المسألة المختلف فيها. فقد اختلف الفقهاء في زمن الصحابة حتى يومنا هذا، بل إن نقاة القياس أنفسهم اختلقوا فيما بينهم في كثير من الأحكام حتى و لو كانوا من مذهب واحد. فدل ذلك على أن الاختلاف أمر بديهي سائغ في كل مسألة اجتهادية، و ليس سببه الأخذ بالقياس أو عدمه.
و أخيرًا فإن الإختلاف المذموم ما كان في المسائل الاعتقادية و أصول الدين لا في فروعه، و في الأحكام القطعية أو المجمع عليها لا في الأحكام الظنية.
و أما ما قاله بعضهم من أن الشريعة جاءت بالتفريق بين المتماثلات و التسوية بين المختلفات، و بهذا ينهدم أساس القياس فلا تقوم به حجة. فهذا قول غير سديد مطلقًا، و لم يصدر عن اطلاع كاف على موارد الشريعة و مصادرها، و لا عن معرفة بما انطوت عليه من حكم باهرة، و أسرار جمة، و مصالح حقيقية، و إبتناء أحكامها على
معان وعلل اقتضت هذه الأحكام ... والشريعة لم تأتي قط بما ينافي ما هو مركوز في الفطر السليمة من تفريق بين المختلفين، وتسوية بين المتساويين، و أحكامها الدالة على ذلك كثيرة. أما إذا جاءت الشريعة باختصاص بعض الانواع بحكم يفارق به نظائره، فلابد أن يختص هذا النوع بوصف يوجب اختصاصه بالحكم، و يمنع مساواة غيره به.
وهذا الوصف الذي اختص به قد يعرفه بعض الناس، وقد لا يعرفه البعض الآخر، وليس من شروط القياس الصحيح أن يعلم صحته كل أحد، فمن رأى شيئًا في الشريعة مخالفًا للقياس الصحيح الذي يقتضي التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المختلفين، فهو مخالف للقياس الذى انعقد في نفسه وتصوره، وليس مخالفًا للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر (1) .
فليس في الشريعة أحكام تخالف قانون التماثل، فمفارقة الحائض بعد طهرها في حكم قضاء الصوم دون الصلاة، مبني على معنى بيناه وهو الحرج في قضاء الصلاة دون الصوم لكثرة أوقات الصلاة، والحرج مرفوعًا شرعًا.
ووجوب حد القاذف بالزنا دون الكفر، لأن القذف بالزنا لا سبيل للناس للعلم بكذب القاذف، فكان حده تكذيبًا له و تبرئة لعرض المقذوف، ودفعًا للعار عنه، لا سيما إن كانت امرأة.
أما الرمي بالكفر فإن شاهد حال المسلم واطلاع المسلمين عليه كاف في تكذيب القاذف، وباستطاعة المقذوف أن ينطق بكلمة الإيمان فيظهر كذب القاذف، أما الرمي بالزنا فماذا يفعل المقذوف حتى يظهر كذب القاذف؟ وكذلك إيجاب قطع السارق دون المنتهب، لأن الأول يهتك الحرز ويكسر القفل وينقب الدور، ولا يمكن لصاحب المتاع الاحتراز بأكثر من ذلك، فكان لابد من إيجاب القطع على السارق حسمًا لهذا البلاء على الناس. وهذا بخلاف المنتهب فإنه ينهب المال على مرأى من الناس فيمكن مطاردته و انتزاع المال من يده، كما يمكن الشهادة عليه لدى الحاكم فينتزع منه الحق، و فضلًا عن ذلك فإن المنتهب يعاقب تعزيزًا. فليست حقيقة
(1) انظر رسالة (( القياس ) )لابن تيمية في مجموعة رسائله الكبرى ص 217 - 218.
السرقة كحقيقة النهب، فافترقا في الحكم. والتراب صار طهورًا و رافعًا للحدث عند فقد الماء بحكم الشارع، فهو حكم تعبدي، والأحكام التعبدية لا تعرف تفاصيل عللها كما قلنا.
والخلاصة: فإن القياس الصحيح دليل من أدلة الأحكام، وحجة شرعية كما ذهب الى هذا الجمهور، وهو الراجح من القولين، وأنه يعمل به ويصار إليه بعد الكتاب والسنة والإجماع.