فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 243

ولدى التأمل في أدلة الفريقين والنظر في مباني الأحكام الشرعية والغرض من التشريع، نخرج من ذلك كله بترجيح قول القائلين بحجية القياس.

وتفصيل ذلك: إن الأحكام الشرعية معللة، أي أنها بنيت على علل و أوصاف اقتضت هذه الأحكام، سواء أكانت عبادات أو معاملات، ولكن علل العبادات محجوبة عنا لا سبيل إلى إدراكها تفصيلًا، وإن كنا جازمين بوجود هذه العلل التى اقتضت هذه الأحكام المعينة في العبادات.

أما في المعاملات فإن عللها يمكن إدراكها، وحيث أمكن إدراكها بطريق سائغ مقبول أمكن طرد أحكامها في جميع الوقائع التي تشتمل على هذه العلل، جريًا وراء نهج الشريعة في التشريع و أخذًا بقانون التماثل الذي دل عليه القرآن في كثير من نصوصه .. ذلك أن القياس قائم على أساس أن الأحكام الشرعية معللة، وأن التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المختلفين أمر مشهود له بالصحة والاعتبار، وقد فطر الله عليه عباده، وطفحت به نصوص القرآن الكثيرة .. من ذلك ما احتج به المثبتون للقياس، مثل قوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} [الحشر:2] ومثل هذا كثير كقوله تعالى: {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ} [القمر:43] وقوله تعالى: {وكَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ} [الأعراف:40] بعد أن قص الله علينا ما حاق بقوم عاد من عذاب أليم. فهذه الآيات و أمثالها تدل على أن حكم الشيء حكم نظيره، و هذه هي سنة الله في الكون، و لو لم يكن الأمر هكذا لما كان في سوق هذه الآيات معنى، و لا فيها دلالة و لا عبرة و لا تقام بها حجة. و كذلك بينت

النصوص القرآنية أن حكم الله هو عدم التسوية بين المختلفين، وأن من جَوَّز على الله أن يسوي بينهما في الحكم، فقد نسب إليه ما لا يليق به من حيث يشعر أو لا يشعر، قال تعالى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم: 36،35] ، {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [الجاثية: 21] {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص: 28] .

فالقرآن إذن شاهد على صحة قانون التساوي بين المتماثلين و التفريق بين المختلفين و ما القياس إلا أخذ بهذا القانون و تطبيقه على الوقائع التي لم يرد بحكمها نص بإلحاقها بما ورد به نص في الحكم ما دامت الواقعتان متماثلتين و متساويتين في العلة التي اقتضت الحكم.

أما ما احتج به نفاة القياس فلا حجة لهم فيه و لا يدل على مدعاهم، لأن القياس يؤخذ به حيث لا نص في المسألة فلا يكون مخالفًا لآية: {لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الحجرات: 1] .. ولأنه يكشف عن حكم الله في الواقعة التي لم يرد بحكمها نص صريح، فهو مظهر لحكم ثابت، و ليس مثبتًا لحكم غير موجود فلا يكون مخالفًا لآية: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} [المائدة: 49] . و إن القياس يفيدنا الظن الراجح في صحة الحكم و الظن الراجح كاف في إثبات الأحكام العملية، فلا يكون مخالفًا لآية: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء: 36] و آية: {إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [النجم: 28] . و كون القرآن تبيانًا لكل شيء، يعني تبيانه للأحكام لفظًا أو معنى، و ليس معناه النص الصريح على كل حكم، و القياس تعلق بدلالة القرآن على الأحكام بالمعنى فلا يستغنى عن القياس.

أما الآثار الواردة عن الصحابة في ذم الرأي و القياس، فتحمل على الرأي الفاسد و القياس الفاسد. و نحن نسلم أن من القياس ما هو فاسد، كما أن منه ما هو صحيح، و الصحيح هو ما توافر فيه ما قلناه في أركانه و شروطه.

و الفاسد ما كان خلاف ذلك، مثل قياس المبطلين الذين: قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ

مِثْلُ الرِّبَا [البقرة: 275] ، مع أن حقيقة البيع تخالف حقيقة الربا .. ومثل ما قص الله علينا من قوله إخوة يوسف: {إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ} [يوسف: 77] . وكقياس إبليس المبني على أن النار أفضل من الطين، وحيث أنه مخلوق من نار فيكون هو - بزعمه - أفضل من آدم المخلوق من طين، فيستحق هو- لا آدم - السجود، فهذا قياس باطل أو استدلال بقياس باطل ... ولكن وجود قياس فاسد لا يقدح في حجية الصحيح منه .. فإننا نجد مما ينسب الى السنة ما هو باطل قطعًا، ولكن لا يقدح هذا في وجوب اتباع السنة وعدها دليلًا شرعيًا .. فكذا الحال في القياس، إذا وجد منه ما هو فاسد لا يعني ترك القياس بالكلية وعدم اعتباره دليلًا شرعيًا. وأما ما قالوه من أن القياس مثار اختلاف و نزاع، فالاختلاف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت