فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 243

غير متناهية، فلا يمكن أن يحيط المتناهي بغير المتناهي، فكان لا بد من ملاحظة العلل والمعاني التي تضمنتها النصوص، أو أشارت إليها، أو أمكن استنباطها منها، وإعطاء الحكم المنصوص عليه لكل واقعة تتحقق فيها علة الحكم، وبهذا النهج لا تضيق الشريعة بأي واقعة جديدة أو نازلة لم تقع من قبل، ولم يرد حكمها نصر.

204 -أدلة نفاة القياس:

و احتج نفاة القياس بجملة أدلة، نذكر خلاصة أهمها:

أولًا: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الحجرات:1] والقائل بالقياس يعارض مدلول هذه الآية. لأن القياس يقدُّم أو تقديم بين يدي الله ورسوله بحكم يقول به في واقعة لم يرد فيها نص من كتاب أوسنة.

وقوله تعالى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} [الإسراء:36] أي لا تتبع ما ليس لك به علم. والقياس أمر ظني مشكوك فيه، فيكون العمل به بغير علم ومن قبيل الظن الذي لا يغني من الحق شيئًا كما جاء في القرآن الكريم.

وقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} [النحل:89] ففي القرآن بيان كل حكم فلا حاجة معه للقياس، لأنه إن جاء بحكم ورد في القرآن ففي القرآن الكفاية، وإن جاء بما يخالفه فهو مرفوض غير مقبول.

ثانيًا: وردت آثار كثيرة عن الصحابة بذم الرأي وإنكار العمل به، ومن ذلك قول

عمر (( إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا ) )، وقوله أيضًا: (( اياكم والمكايلة، قيل: وما المكايلة؟ قال: المقايسة ) )، وقال علي بن أبي طالب: (( لو كان الدين يؤخذ بالرأي، لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره ) ). وهذا يدل على ذم القياس، وأنه ليس بحجة فلا يعمل به.

ثالثًا: إن القياس يؤدي الى الاختلاف والنزاع بين الأمة لأنه مبني على أمور ظنية من استنباط علة الأصل وتحققها في الفرع، وهذه أمور تختلف فيها الأنظار، فتختلف الأحكام، ويكون في الواقعة الواحدة أحكام مختلقة، فتتفرق الأمة، والفرقة أمر مذموم غير محمود، وما يؤدي إليه مذموم أيضًا وهو القياس.

رابعًا: إن أحكام الشريعة لم تبن على أساس التسوية بين المتماثلين، والتفريق بين المختلفين، ولهذا نجد في الشريعة أحكامًا مختلفة لأمور متماثلة وأحكامًا متماثلة لأمور مختلفة.

فمن الأول: إسقاط الصوم والصلاة عن الحائض في مدة حيضها، وتكليفها بقضاء الصوم دون الصلاة بعد طهرها. وايجاب قطع يد السارق وعدم قطع يد المنتهب، ولا فرق بين الاثنين، و إقامة الحد على القاذف بالزنا دون القاذف بالكفر، مع أن الكفر أقبح من الزنا.

ومن الثاني: جعل التراب طهورًا كالماء وهما مختلفان.

فإذا كانت الشريعة لم تراع التماثل بين الأشياء في تشريعها الأحكام فلا حجة في القياس، لأنه يعتمد المساواة والتماثل والشريعة لم تعتبرهما كما قلنا.

205 -القول الراجح:

الواقع أن منكري القياس ما أرادوا بقولهم إلا التمسك بالنصوص، و صيانة الشريعة من الاضطراب والأهواء، وقد وجدوا من الدلائل ما رأوه حجة لما ذهبوا

إليه. وكذلك القائلون بالقياس، لم يريدوا بقولهم مناهضة النصوص و الافتيات عليها والابتعاد عنها، و لا العبث بأحكام الشريعة وتسليط الهوى عليها. وقد رأينا ما اشترطوه من شروط لصحة القياس لئلا يقعوا فيما لا يجوز، فكل فريق مثاب على جهده وحسن قصده، ومع هذا فلابد من بيان ما نراه راجحًا من قول الفريقين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت