فهرس الكتاب

الصفحة 102 من 243

اشترط المالكية لقبوله خبر الآحاد: عدم مخالفته لعمل أهل المدينة. والحجة في ذلك: أن عمل أهل المدينة بمثابة السنة المتواترة، لأنهم ورثوا العمل عن اسلافهم، عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فكأن عملهم بمنزلة الرواية والسنة المتواترة، والمتواتر يتقدم على

1 -القاسمي ص 115 - 120. (( المستصفى ) )ج 1 ص 149 - 171. (( الإحكام ) )لابن حزم ج 1 ص 108 وما بعدها و ج 2 ص 2 وما بعدها.

خبر الآحاد، وعلى هذا الأساس لم يأخذ الإمام مالك بحديث: «المتبايعان بالخيار حتى يتفرقا» ، فقد قال مالك عن هذا الحديث: (( ليس لهذا عندنا حدمعروف، ولا أمرمعمول به ) ).

كما اشترطوا: من لا يخالف خبر الآحاد الأصول الثابته والقواعد المرعية في الشريعة، وعلى هذا الأساس لم يأخذوا بخبر المصراة، وهو ما روي عن النبي صلى الله عيه وسلم أنه قال: (( لا تَصُرُّوا الإبل والغنم، ومن ابتاعها فهو بخير النظرين بد أن يَحْلِبَها، إن شاء أمسك وإن شاء ردها وصاعًا من تمر ) )،لأن هذا الخبر -في نظرهم - قد خالف أصل: (( الخراج بالضمان ) )، وأصل: (( أن متلف الشيء إنما يغرم مثله إن كان مثليا، وقيمته إن كان قيميًا، فلا يضمن في اتلاف المثلي جنسًا غيره من طعام أو عروض.

وكذلك لم يأخذوا بخبر إكفاء القدور التي طبخت من الإبل والغنم قيل قسمة الغنائم، بحجة مخالفته لأصل: رفع الحرج، والمصلحة المرسلة، فقد كان يكفي أن يقال لهم: إن ما صدر عنكم لايجوز، ثم يؤذن لهم بالأكل منها، فإتلاف المطبوخ إفساد مناف للمصلحة، ما يدل على عدم صحة الخبر (1) .

165 --ب-شروط الحنفية لقبول سنة الآحاد:

أ- أن لا تكون السنة متعلقة بما يكثر وقوعه، لأن ما يكون كذلك لا بد أن ينقل عن

طريق التواتر أو الشهرة، لتوافر الدواعي للنقل، فإذا لم ينقل على هذا الوجه ونقل عن طريق الآحاد، دل ذلك عل عدم صحة السنة ومثال ذلك: (( رفع اليدين في الصلاة ) )، فإنه جاء عن طريق الآحاد، بع عموم الحاجة اليه لتكرار الصلاة في كل يوم، فلا يقبل.

ب- أن لا تكون السنة مخالفة للقياس الصحيح، وللأصول والقواعد الثابته في الشريعة، وهذا إذا كان الراوي غير فقيه، لأنه إذا كان كذلك فقد يروي السنة بالمعنى، لا باللفظ -ا وهو أمر كثير الوقوع -، فيفوته شيء من معاني الحديث لا يتفطن له. فلا بد من الاحتياط بأن لا يقبل الحديث في هذه الحالة إذا كان مخالفًا

1 - (( الموافقات ) )ج 3 ص 21 - 22. (( مالك ) )لأستاذنا محمد أبو زهرة ص 301 و 331 وما بعدها.

للأصول العامة، ومقتضى القياس الصحيح، وعلى هذا الأساس لم يأخذوا بحديث المصراة، كما فعل الإمام مالك، لأن راوي الحديث، وهو أبو هريرة، غير فقيه عندهم. كما أن هذا الحديث خالف الأصول والقواعد المقررة كقاعدة: (( الخراج بالضمان ) )، التي جاءت بها السنة، وهذه القاعدة تقضى: بأن غلة العين، تكون ملكًا لمن يكون عليه الضمان عند هلاك العين، وعلى هذا يجب أن يكون اللبن للمشتري، لأن العين في ضمانه. كما أن هذا الحديث خالف قاعدة (( الضمان ) )القاضية بأن الضمان يكون بالمثل إذا كان المتلف مثليًا (1) .

ج- ألا يعمل الراوي بخلاف الحديث الذي رواه، لأن عمله يدل على نسخه أو تركه لدليل آخر، أو أن معناه غير مراد على الوجه الذي روي فيه. ويمثلون لذلك بحديث: (( إذا ولغ الكلب في إناءِ أحدكم فاغسلوه سبعًا، إحداهن بالتراب ) )فإنهم لم يأخذوا به لأن راوي الحديث كان يغسل الإناء - إذا ولغ فيه الكلب - ثلاثا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت