246 -المقصود بشرع من قبلنا: الأحكام التي شرعها الله تعالى لمن سبقنا من الأمم، وأنزلها على أنبيائه و رسله لتبليغها لتلك الأمم.
وقد اختلف العلماء في علاقتها بشريعتنا ومدى حجيتها بالنسبة إلينا. وقبل ذكر أقوالهم، لابد من بيان موضع الخلاف، لأن شرع من قبلنا أنواع: منها المتفق على حجيته بالنسبة إلينا، ومنها المتفق على نسخه في حقنا، ومنها ما هو مختلف فيه.
أنواع شرع من قبلنا:
247 -النوع الأول: أحكام جاءت في القرآن أو في السنة، وقام الدليل في شريعتنا على أنها مفروضة علينا كما كانت مفروضة على من سبقنا من الأمم و الأقوام.
وهذا النوع من الأحكام لا خلاف في أنه شرع لنا، ومصدر شرعيته وحجيته بالنسبة إلينا هو نفس نصوص شريعتنا، من ذلك: فريضة الصيام، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183]
248 -النوع الثاني: أحكام قصها الله في قرآنه، أو بينها الرسول - صلى الله عليه وسلم - لي سنته، و قام الدليل من شريعتنا على نسخها في حقنا، أي أنها خاصة بالأمم السابقة فهذا النوع لا خلاف في أنه غير مشروع في حقنا. من ذلك: ما جاء في قوله تعالى: {قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ. وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [الأنعام: 146،145] و قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (( و أحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي ) ). فالآية دلت على تحريم أشياء لم تحرم علينا بل أحلت لنا. و الحديث دل على حل الغنائم للمسلمين، و ما كانت حلالًا للأمم السابقة.
249 -النوع الثالث: أحكام لم يرد لها ذكر في كتابنا، ولا في سنة نبينا - صلى الله عليه وسلم -.
وهذا النوع لا يكون شرعًا لنا بلا خلاف بين العلماء.
250 -النوع الرابع: أحكام جاءت بها نصوص الكتاب أو السنة، ولم يقم دليل من سياق هذه النصوص على بقاء الحكم أو عدم بقائه بالنسبة لنا، مثل قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة:45] فهذا النوع هو الذي وقع الخلاف له، و اختلف في حجيته بالنسبة إلينا.
فذهب بعض العلماء كالحنفية إلى حجيته، وأنه يعتبر كجزء من شريعتنا. و ذهب الآخرون إلى أنه ليس بشرع لنا. و استدل كل فريق بجملة أدلة تأييدًا لمذهبه (1) .
(1) أنظر (( المستصفى ) )ص 132 و ما بعدها. و الآمدي ج 4 ص 186 و ما بعدها. و شرح مسلم الثبوت ج 2 ص 184 - 185 (( المسوّدة ) )ص 193، (( الإحكام ) )لابن حزم ج 5 ص 724، (( التلويح و التوضيح ) )ج 2 ص 16.
-والحق إن هذا الخلاف غير مهم، لأنه لا يترتب عليه اختلاف في العمل، فما من حكم من أحكام الشرائع السابقة، قصه الله تعالى علينا، أو بينه الرسول - صلى الله عليه وسلم - لنا، إلا وفي شريعتنا ما يدل على نسخه أو بقائه في حقنا، سواء جاء دليل الإبقاء أو النسخ في سياق النص الذي حكى لنا حكم الشرائع السابقة، أو جاء ذلك الدليل في مكان آخر من نصوص الكتاب والسنة.
و نذكر هنا، تأييدًا لقولنا، ثبوت أحكام الآية السابقة في حقنا {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ... } الخ بدلائل من شريعتنا، لأن بعض الناس يدّعي أن القصاص في الجروح والأعضاء، ليس شرعًا لنا، و إنما هو شرع من قبلنا فلا يلزمنا، وهذا وهم محض لا يقوم على حجة أو برهان. فلا خلاف بين العلماء في أن أحكام هذه الآية ثابتة في حقنا، وأنها