جزء من شريعتنا، و من يطلع على كتب الفقهاء من مختلف المدارس الفقهية يجد بابًا خاصًا للقصاص في النفس وفي ما دون النفس، فهو حكم ثابت في حقنا بلا خلاف.
قال الشافعي في صدد هذه الآية: (( ذَكَر الله تعالى ما فرض على أهل التوراة فقال: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ ... } الخ الآية. و لم أعلم خلافًا في أن القصاص في هذه الأمة كما حكى الله عز و جل أنه حكم بين أهل التوراة. و لم أعلم خلافًا في أن القصاص بين الحرين المسلمين في النفس وما دونها من الجراح التي يستطاع فيها القصاص بلا تلف يخاف على المستفاد منه من موضع القود ) ) (1) .
و جاء في المغني لابن قدامة: (( وأجمع المسلمون على جريان القصاص فيما دون النفس إذا أمكن ) ) (2) .
وحكى ابن كثير في تفسيره الإجماع أيضًا على العمل بموجب الآية (3) .
(1) (( أحكام القرآن ) )للشافعي ج 1 ص 280 - 821.
(2) (( المغني ) )ج 7 ص 702 - 703.
(3) (( تفسير ) )ابن كثير ج 2 ص 62.
فأحكام هذه الآية معمول بها في حقنا على رأي كلا الفريقين القائلين بشرع من قبلنا، والمخالفين لهم في ذلك. الأولون يحتجون بها وفقًا لمذهبهم، والآخرون يحتجون بها، لأن الدلائل من شريعتنا قامت على شرعيتها بالنسبة إلينا. ومن هذه الدلائل:
أولًا: قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} [البقرة:178] وفي السنة: (( و العًمْدُ قَوَدٌ إلا أن يعفُو وَلِيُّ القَتِيل ) )، وفي حديث آخر: (( من قُتِلَ له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يفتدي، وإما أن يقتل ) )فهذه النصوص تدل بصراحة على وجوب القصاص في القتل العمد. والقصاص في القتل بعض ما جاءت به الآية التي نحن بصدد الكلام عنها.
ثانيًا: قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقصاص في الجروح (1) ، وفي السن، ولكن المجني عليه عفا عن القصاص (2) .
ثالثًا: وعن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: (( من أصيب بدم أو خبل - أي جراج فهو بالخيار بين إحدى ثلاث: إما أن يقتص أو يأخذ العقل - أي الدية - أو يعفو ) ) (3) .
رابعًا: قال تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة:194] . وقال العلماء: إن هذه الآية يندرج فيها القصاص في النفس وفيما دون النفس الواردة في الآية: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} (4) .
ومن هذا كله يتبين أن أحكام آية القصاص التي شرعت لمن كان قبلنا، ثابته في حقنا أيضًا بالدلائل التي جاءت في شريعتنا.
(1) (( أقضية الرسول - صلى الله عليه وسلم - ) )للشيخ عبدالله بن محمد بن فرج ص 9.
(2) المرجع السابق ص 13.
(3) (( نيل الاوطار ) )للشوكاني ج 7 ص 7.
(4) (( الآمدي ) )ج 4 ص 119، (( المستصفى ) )للغزالي ج 1 ص 134 - 135.