،وقد انقطع بعد وفاة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. وعلى هذا لا يجوز بتاتًا نسخ شيء من أحكام الشريعة الإسلامية بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
أما الأحكام التي يجوز نسخها، فهي الأحكام الفرعية التي تقبل التبديل والتغيير، أما الأحكام الأخرى فلا يجوز نسخها، مثل الأحكام الأصلية: كأحكام العقائد، مثل الإيمان بالله واليوم الآخر والحساب، ومثل حرمة الشرك والظلم والزنى، ومثل أمهات الفضائل والأخلاق كالعدل والصدق وبر الوالدين، فهذه
الأحكام لا يتصور أن تكون في وقت أو حال أو ظرف على صفة تستدعي تبديلها أو تغييرها، فهي ثابتة مهما تغيرت الظروف والأحوال والأزمان. وكذلك الأحكام الفرعية التي لحق بها ما جعلها مؤبدة لا يجوز نسخها، مثل قوله - صلى الله عليه وسلم - (( والجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة ) ).
373 -ما يجوز به النسخ:
القاعدة في النسخ: إن الدليل الناسخ يجب أن يكون في قوة الدليل المنسوخ، أو أقوى منه، وأن يرد بعده لا قبله. وعلى هذه القاعدة تفرعت عدة قواعد وترتبت عدة نتائج منها: -
أولًا: نصوص القرآن يجوز نسخ بعضها ببعض، لأنها في قوة واحدة.
ثانيًا: يجوز نسخ القرآن بالسنة المتواترة وبالعكس، لأن المتواتر من السنة كالقرآن في قطعية الثبوت ووحدة المصدر وهو الوحي.
ثالثًا: يجوز نسخ سنة الآحاد بمثلها، أو بأقوى منها.
رابعًا: الإجماع لا يكون ناسخًا لنص من الكتاب أو السنة، لأن النص إن كان قطعي الدلالة امتنع انعقاد الإجماع على خلافه، و إن كان ظني الدلالة وانعقد الإجماع على خلافه، كان معنى هذا وجود دليل آخر ترجح في نظر الفقهاء المجمعين على النص الظني الدلالة، فيكون ذلك الدليل الذى ابتني عليه الإجماع هو الناسخ لا الإجماع ذاته.
خامسًا: لا يكون النص من الكتاب والسنة ناسخًا للإجماع، لأن الناسخ يجب أن يكون متأخرًا عن المنسوخ، ونصوص الكتاب والسنة متقدمة على الإجماع، إذ الإجماع كدليل شرعي لا يعتبر حجة إلا بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، كما قلنا من قبل.
سادسًا: الإجماع مبني على نص من الكتاب أو السنة أو القياس لا يجوز نسخه بإجماع آخر. أما الإجماع المبني على المصلحة فإنه يجوز نسخه بإجماع آخر إذا تغيرت
المصلحة و رُؤي أن تحقيق المصلحة يكون بالإجماع على حكم آخر.
سابعًا: لا يصلح القياس ناسخًا لنص من الكتاب أو السنة أو للإجماع، ولا منسوخًا بها، لأن القياس لا يصار إليه إلا عند عدم وجود الحكم في الكتاب أو السنة أو الإجماع، كما إن من شروط القياس أن لا يخالف الثابت في واحد منها وإلا لم يصح اعتباره.
ثامنًا: لا يصلح القياس ناسخًا لقياس آخر، لأن القياس مبناه الرأي والاجتهاد، وهو حجة بالنسبة الى المجتهد الذي توصل إليه باجتهاده، أما غيره من المجتهدين فلا يكون حجة بالنسبة إليهم.
ولكن إذا كان القياسان صدرا عن مجتهد واحد، فإن التعارض بينهما يثبت إلا إنه لا يكون أحدهما ناسخًا للآخر، لأن مبنى القياس: الرأي والاجتهاد، ولا مجال للرأي في نسخ الأحكام. وعلى المجتهد في هذه الحالة أن يبحث في ترجيح أحدهما على الآخر، ويعمل بما يترجح في نظره، كما في الاستحسان حيث يتجاذب المسألة قياسان فيرجح المجتهد أحدهما، وغالبًا ما يكون الراجح هو القياس الخفي لقوة علته و تأثيرها في الحكم، وهذا ما يسمى بالاستحسان كما بينا من قبل.