فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 243

وأما الحق الخالص للعبد: فهو ما كان المقصود به مصلحةً خاصةً للفرد، ومثاله سائر الحقوق المالية للأفراد: كضمان المتلفات، واستيفاء الديون والدية، و نحو ذلك، وهذا النوع من الحق يكون الخيار في استيفائه الى المكلف نفسه، فإن شاء أسقطه وإن شاء استوفاه، لأن للإنسان أن يتصرف في خالص حقه بما يشاء.

75 -ما اجتمع فيه الحقان، و حق الله فيه غالب:

ومثاله: حد القذف (2) . فالقذف جريمة تمس الأعراض، وتشيع الفاحشة في المجتمع، وفي ترتيب العقوبة على هذه الجريمة مصلحة عامة لما فيها من ردع المجرمين

(1) (( تيسير الوصول إلى جامع الأصول من حديث الرسول ) )ج 2 ص 14.

(2) القذف: هو رمي المرأة أو الرجل بالزنى، كأن يقول للمرأة: يا زانية.

المعنى.

ومن جهة أخرى: فإن في هذه العقوبة مصلحة خاصة للمقذوف، إذ فيها إظهار لشرفه و عفته ودفع العار عنه، فكان في هذه العقوبة حق للعبد من هذه الجهة، إلا أن حق الله هو الغالب، و لهذا لا يجوز للمقذوف إسقاط الحد (أي العقوبة) عن

القاذف، لأن حق الله لا يسقط بإسقاط العبد، وإن كان غير متمحض له، كما في

العدة: لا تسقط بإسقاط الزوج إياها، وإن كان فيها حقه لما فيها من حق الله (1) .

76 -ما اجتمع فيه الحقان، و حق العبد فيه غالب:

ومثاله: القصاص من القاتل العمد، فإن فيه تأمين حياة الناس وحفظ الأمن وإشاعة الطمأنينة، وهذا كله من المصلحة العامة فيكون بهذا الاعتبار حقًا لله تعالى.

ومن جهة أخرى: يحقق القصاص مصلحة خاصة للفرد: هي شفاء صدور أولياء القتيل وإزالة غضبهم وحقدهم على القاتل، فيكون بهذا الاعتبار حقًا للعبد.

ولما كان مساس الجريمة بالمجني عليه و بأوليائه أقوى وأظهر من مساسها بالمجتمع، جعل حق العبد هو الغالب في القصاص، ومن ثم كان لولي القتيل أن يعفو عن القاتل أو يكتفي بأخذ العوض منه (الدية) ، و حتى إذا حكم على القاتل بالقصاص منه، فلولي القتيل أن يعفو عنه فيوقف تنفيذ العقوبة.

ولما كان في القصاص حق لله، فإن القاتل إذا نجا من الموت لعفو ولي القتيل، فإن الدولة لها أن توقع عليه عقوبة تعزيرية (2) .

ومسلك الشريعة في جريمة القتل يختلف عن مسلك القوانين الوضعية

(1) و ذهب آخرون إلى أن الغالب في القذف حق العبد، و ما ذكرناه في الصلب هو ما اخترناه.

(2) من العقوبات التعزيرية ما نص عليه المالكية: من أن القاتل إذا عفا عنه و لي القتيل، فإن الإمام يضربه مئة جلدة، و يحبسه سنة، (( تبصرة الحكام ) )لابن فرحون المالكي ج 2 ص 259.

فالأخيرة: جعلت القصاص من القاتل حقًا خالصًا للمجتمع، و رتبت على ذلك:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت