أن يتخير الأعلم الأفضل الأعدل الأورع حسب ما يشيع و يشتهر، و هذا هو الذي يقدر عليه و {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286] .
هذا ما نراه في مسألة الاجتهاد و التقليد، و هو ما تدل عليه نصوص القرآن، و سار عليه السلف الصالح، فقد كان المجتهد يتعرف على الاحكام بطريق الاستنباط و الاجتهاد. و كان العامي يسأل المجتهدين عن أحكام الشرع و لا يتقيد بسؤال واحد بعينه لا يسأل غيره.
391 -تقليد المذاهب:
المذاهب الإسلامية، مدارس فقهية، عرفت بأسماء مؤسسيها، و هو مجتهدون
عظام، مشهود لهم بالعلم والاجتهاد والصلاح والتقوى. ومن هذه المذاهب ما اندرس و عفت آثاره بموت أصحابه، ولم تبق من آرائه وأقواله إلا ما نجده في كتب الخلاف. ومن هذه المذاهب المندرسة مذهب الأوزاعي وسفيان الثوري وغيرهما. ومن المذاهب ما بقي حتى الآن وله اتباع ومؤلفات تحكي أقوال فقهائه. فهل يسوغ تقليد هذه المذاهب أم لا؟ قلنا: إن المجتهد عليه أن يتعرف على الأحكام من منابعها الأصلية عن طريق النظر والاجتهاد ولا يجوز له التقليد. أما العاجز عن الاجتهاد، فقد قلنا: إن عليه أن يسأل أهل العلم، وسؤال أهل العلم قد يكون مشافهة، وقد يكون بالرجوع إلى أقوالهم المدونة في الكتب الموثوق بها التي تحكي أقوالهم وتنقلها نقلًا صحيحًا. وعلى هذا يسوغ للعامي أن يتبع مذهبًا معينًا من المذاهب المعروفة والقائمة حتى الآن والمنقولة إلينا نقلًا صحيحًا على أن نستحضر في أذهاننا ما يأتي:
أولًا: إن المذاهب الإسلامية مدارس فقهية لتفسير نصوص الشريعة واستنباط الأحكام منها، فهي مناهج فقهية في الاستنباط والتعرف على الأحكام، وليست هي شرعًا جديدًا، ولا شيئًا آخر غير الإسلام.
ثانيًا: إن الشريعة الإسلامية - وهي نصوص القرآن والسنة فقط - أكبر و أوسع من أي مذهب، وليس أي مذهب أكبر و لا أوسع منها.
ثالثًا: إن الشريعة الإسلامية حجة على كل مذهب، وليس أي مذهب حجة على الشريعة الإسلامية.
رابعًا: إن المسوغ لاتباع هذه المذاهب هو أنها مظنة تعريف متبعيها بأحكام الشريعة، أي إنها مظنة تعريفنا بحكم الله المنزل في القرآن أوفي السنة، فإذا
تبين أن المذهب الفلاني أخطأ في هذه المسألة وأن الصواب فيها عند غيره، وظهر هذا الصواب ظهورًا كافيًا فعلى متبع المذهب أن يتحول عن مذهبه في هذه المسألة إلى القول الصواب.
خامسًا: يجوز لمتبع مذهب معين أن يتبع غيره في بعض المسائل، إذ لا إلزام عليه بالتقيد بجميع اجتهادات هذا المذهب. على أن يكون ذلك منه عن دليل
دعاه إلى هذا التحول عن مذهبه إلى مذهب آخر في هذه المسائل. كما له أن يسأل أي فقيه من غير مذهبه عن حكم الشرع في مسألة من المسائل، ويعمل بما يفتيه به.
سادسًا: على المقلد أن يطهر نفسه من التعصيب الذميم للمذهب، فليست المذاهب تجزئة للإسلام، وليست هي أديانًا ناسخة للإسلام، وإنما هي وجوه في تفسير الشريعة وفهمها، ومنافذ تطل عليها، ومناهج في البحث والدراسة والفهم، وأساليب علمية في الاستنباط، وكلها تريد الوصول إلى معرفة ما نزّل الله وما شرّعه.
سابعًا: لا نضيق أبدًا باختلافات المذاهب، لأن الاختلاف في الفهم والاستنباط أمر طبيعي بديهي، لأنه من لوازم العقل البشري، فإن العقول والمدارك و الأفهام مختلفة قطعًا، فتختلف في الاستنباط والفهم حتمًا، بل إننا تعتز بهذا الاختلاف