فهرس الكتاب

الصفحة 224 من 243

أما الأحكام الظنية الدلالة، فإن الاجتهاد فيها ينصب على كشف المعنى المراد منها، بالتعرف على قوة دلالة اللفظ على المعنى وترجيح دلالة على أخرى، والفقهاء يختلفون في هذه الأمور، وإن كانوا يتفقون عل الموازين العامة والقواعد الضابطة لدلالات الألفاظ وترجيح بعضها على بعض، بل إنهم قد يختلفون في بعض هذه الموازين فيكون اختلافهم في الاستنباط واسعًا، كما في اختلافهم في موجب الأمر والنهي، وفي دلالة العام على أفراده أهي قطعية أم ظنية، والمطلق وعلاقته بالمقيد وغير ذلك مما أشرنا إلى بعضه في مواضعه.

ويجرى الاجتهاد أيضًا في المسائل التي لم يرد نص من الشارع بشأنها، فيضطر

المجتهد إلى اللجوج إلى دلائل الشريعة الأخرى من قياس وغيره، ولا شك أن أنظار المجتهدين تختلف في مدى صحة هذه الأدلة وفي كيفية الاستنباط منها وفي الأحكام المستنبطة بناء عليها.

385 -الاجتهاد لا يتقيد بالزمان والمكان:

الاجتهاد لا يقيده زمان ولا مكان، بمعنى: أنه ليس مخصوصًا بوقت دون وقت ولا بمكان دون مكان، لأن مبناه توافر شروطه في الشخص، وهذا أمر ممكن في كل عصر، فلا يجوز قصره على زمان دون زمان، فإن فضل الله واسع غير محصور بالمتقدمين دون المتأخرين، وقد نص أهل العلم على أنه لا يجوز أن يخلو زمان من مجتهد قائم يبين للناس ما نزل ربهم إليهم وبلغه سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -. وما أفتى به بعض العلماء من القول بسد باب الاجتهاد كان مبعثه الحرص على الشريعة من عبث الجهال أدعياء الاجتهاد، وينصرف قولهم إلى هؤلاء دون أهل العلم وأرباب الاجتهاد.

وعلى هذا فالاجتهاد باق الى يوم القيامة، ومباح للجميع، بشرط أن تكمل في الشخص أدوات الاجتهاد وشروطه، فلا يرقى إلى هذه المرتبة وهذا المنصب الشريف إلا أهله وهم أهل الاجتهاد حقًا. فليس الاجتهاد إذن، حكرًا على طائفة معينة، أو سلالة معينة، أو بلد معين أو عصر دون عصر، و إنما هو مباح لجميع الخلق بشروطه، لأن شرع الله شرع لجميع البشر وعليهم أن يتدبروه ويفهموا أحكامه، قال الله تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [النساء:82] و لأن الاجتهاد أعلى مراتب العلم، والعلم مباح للجميع، بل ندب إليه الشرع الشريف واثنى على أصحابه، وأمر بالاستزادة منه، وعلم الناس أن يقلوا: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه:114]

386 -حكم الاجتهاد:

الاجتهاد واجب عل من كان أهلًا له بأن قامت فيه ملكة الاجتهاد و تهيأت له أسبابه ووسائله. وعلى المجتهد أن يصل إلى الحكم الشرعي بطريق النظر و البحث في الأدلة، وما يؤدي إليه اجتهاده هو الحكم الشرعي في حقه، الواجب اتباعه، فلا

يجوز له تركه تقليدًا لغيره. وهو إن أصاب في اجتهاده فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد، وبهذا جاء الحديث الشريف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ يقول: (( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد ) ).

387 -تغير الاجتهاد ونقضه:

الاجتهاد مبناه النظر واستفراغ الوسع والطاقة للوصول الى الحكم الشرعي، فإذا بحث المجتهد في مسألة، وأمعن النظر فيها، وبذل غاية جهده حتى توصل إلى حكم في هذه المسألة، كان هذا الحكم هو الواجب في حقه، وهو الذي يفتي به، ولكن إذا تغير اجتهاده في هذه المسألة ذاتها فعليه ان يعمل بمقتضى اجتهاده الجديد، ويفتي به ويترك قوله الأول.

وإذا كان المجتهد حاكمًا وقضى في مسألة بحكم معين حسب اجتهاده، فلا يجوز لحاكم آخر نقض هذا الاجتهاد، لأن القاعدة: إن الاجتهاد لا ينقض بمثله، ولكن لو عرضت مسألة أخرى مثل الأولى على الحاكم نفسه، وبدا له رأي جديد في هذه المسألة، فإن عليه أن يحكم باجتهاده الجديد، أما ما حكم به أولًا فلا ينتقض بل يمضي، و هذا يعني أن السوابق القضائية لا تفيد القاضي المسلم، وعلى هذا دل عمل القضاة في الإسلام، من ذلك: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قضى في المسألة الحجرية في الميراث بعدم توريث أولاد الأبوين، ثم عرضت له نفس المسألة من بعد فقضى بتوريث أولاد الأبوين مع الأولاد لأم، فاعترض عليه أصحاب القضية الأولى، فقال: ذلك ما قضينا وهذا على ما نقضي. أما إذا كان الاجتهاد مخالفًا للنص القطعي، فإنه ينقض ولا عبرة به، إذ ليس هو في الحقيقة اجتهادًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت