فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 243

أما الميول القلبية التي هي من الإيمان أومن لوازمه كحب الله و رسوله، فهذه تكون واجبة على المكلف، و مطلوبًا منه تحصيلها بتحصيل أسبابها، ولا يعذر في عدم تحصيلها أو في وجود ضدها كبغض الله و رسوله، لأن في عدم وجودها أو وجود أضدادها دلالة على عدم إيمانه الإيمان لا ينفك عن حب الله و رسوله، فإذا انفك كان ذلك دليلًا على عدم الإيمان.

71 -الشاق من الأعمال:

قلنا: إن الفعل يشترط فيه أن يكون مقدروًا عليه، و لكن هل يشترط فيه أن لا يكون شاقًا؟ الواقع أن أي فعل لا يخلو من مشقة، فالمشقة من لوازم التكليف، و لكن إذا كانت مشقة معتادة تطيقها النفس البشرية فلا يلتفت إليها و لا تكون حائلًا دون التكليف. أما المشقة غير الاعتيادية التي لا تطيقها النفس إلا بكلفة زائدة و ضيق و عنت شديد فإن الحكم يختلف كما يلي:

(1) في الحديث الصحيح: (( أن النعمان بن بشير أعطى أحد أولاده عطيةً و أخبر النبي بذلك، فقال له النبي: أفعلت هذا بولدك كلهم؟ قال: لا قال: اتقوا الله و اعدلوا في أولادكم ) ) (( رياض الصالحين ) )ص 266 - 267.

أولًا- مشقة غير عادية تطرأ على الفعل بسبب ظروف خاصة بالمكلف، مثل: الصيام في حالة السفر و المرض، ومثل: الإكراه عل كلمة الكفر و مثل الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، إذا ترتب على القائم به هلاك نفسه. فني هذه الأحوال دفع الشارع الحكيم هذه المشقات بالرخص التي شرعها فأباح للمكلف ترك الأفعال الواجبة و إتيان الأفعال المحظورة دفعًا للمشقات، و رفعًا للحرج.

و لكن الشارع مع هذا جعل تحمل بعض المشقات غير الاعتيادية في بعض الأحوال من قبيل المندوب، كما في المكره على الكفر، فله أن يقول كلمة الكفر رخصةً، والمندوب: صبره على الأذى وامتناعه عن قالة الكفر، ولو أدى ذلك الى هلاكه. و كالقائم بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، له أن يسكت ولا يواجه الحكام الظلمة بأمر ولا نهي خوفًا من بطشهم رخصةً، والمندوب اليه: قيامه بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو أدى إلى هلاكه، لأن الصبر في هذا الموقف أو ذاك يعز الدين ويقوي أهله، و يضعف أهل الظلم والباطل.

ثانيًا- مشقة غير عادية ولكن لا بد من تحملها لضرورة القيام بالفروض الكفائية: كالجهاد، فهو فرض على الكفاية، وإن كان فيه قتل النقس وإزهاق الروح وإتعاب الجسد وتحمل النصب والتعب، ونحو ذلك من المشاق غير الاعتيادية، لأن الجهاد لابد منه لحماية البلاد من الأعداء، وهذا الضرب من التكليف - في الحقيقة - يكون في الفروض الكفائية، كما مثلنا، لا في الفروض العينية. ومثل الجهاد: الأمر بالمعروف و النهي عن النكر، فهو ضرب من ضروب الجهاد يجب أن يكون في الأمة، لأنه فرض كفائي، ولو نتجت عنه مشقات عظيمة غير عادية، فالأمر بالمعروف المترتب عليه أذى القائم به، يكون مندوبًا إليه بالنسبة للجزء، أي بالنسبة لفرد معين، ويكون واجبًا بالكل، أي بالنسبة إلى مجموع الأمة وإن ترتب عليه أذى بالغ، لأنه فرض كفائي يجب أن يوجد في الأمة.

ثالثًا- مشقة غير عادية لا تتأتى من ذات الفعل و طبيعته، و إنما بسبب المكلف نفسه بالتزامه الأفعال الشاقة التي لم يأت بها الشرع.

وهذا النوع من الأفعال لا يجوز، فقد روي: أن النبي: mohmad 1 [1] :، رأى رجلًا قائمًا في الشمس، فسأل عنه، فقالوا: يا رسول إنه نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي: mohmad 1 [1] : مروه فليتكلم وليقعد وليتم صومه (1) .

و عندما أخذ بعض الصحابة نفسه بقيام الليل، وبعضهم بصيام الدهر وعدم الفطر، وبعضهم باعتزال النساء وترك الزواج، قال النبي: mohmad 1 [1] : لهؤلاء: أما و الله إني لأخشاكم لله و أتقاكم له، لكني أصوم و أفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت