فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 243

مصلحة: لأنها تجلب نفعًا وتدفع ضررًا .. وهي مرسلة: لأنها مطلقة عن اعتبار الشارع أو إلغائه .. ح فهي إذن، تكون في الوقائع المسكوت عنها وليس لها نظير منصوص على حكمه حتى نقيسها عليه، وفيها وصف مناسب لتشريع حكم معين من شأنه أن يحقق منفعة، أو يدفع مفسدة .. مثل المصلحة التي اقتضت جمع القرآن، وتدوين الدواوين، وتضمين الصناع، وقتل الجماعة بالواحد.

222 -حجية المصالح:

لا خلاف بين العلماء في أن العبادات لا يجري فيها العمل بالمصالح المرسلة، لأن أمور العبادة سبيلها التوقيف، فلا مجال فيها للاجتهاد والرأي، والزيادة عليها ابتداع في الدين، والابتداع مذموم، فكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة وصاحبها في النار.

أما في المعاملات، فقد اختلف العلماء في حجيتها وجعلها دليلًا من أدلة الأحكام. وهذا الخلاف يحكى في كتب الأصول على نحو واسع، ولكننا لا نجد آثاره بهذه السعة والكثرة في كتب الفقه، فالفقهاء المنسوب إليهم عدم الأخذ بالمصالح المرسلة، وجدت لهم اجتهادات قامت على أساس المصلحة المرسلة .. كما نجده في فقه الشافعية والحنفية. وعلى أية حال فمما لا شك فيه أن فريقًا من العلماء أنكر حجية المصالح المرسلة، ومن هؤلاء: الظاهرية، فهم ينكرون القياس فمن الأولى أن ينكروا المصالح المرسلة .. وقد نسب الى الشافعية والحنفية القول بإنكار المصلحة المرسلة، ولكننا نجد في فقههم اجتهادات قامت على أساس المصلحة كما سنذكره.

وفريق آخر أخذ بالمصالح المرسلة، واعتبرها حجة شرعية و مصدرًا من مصادر التشريع. وأشهر من عرف عنه هذا الاتجاه الإمام مالك، ثم أحمد بن حنبل .. وبين هذين الفريقين من قال بالمصلحة بشروط تجعلها من قبيل الضرورات التي لا يختلف العلماء في الأخذ بها، كالغزالي فقد أخذ بالمصلحة بشرط أن تكون ضرورية، قطعية، كلية.

و نذكر فيما يلي أدلة المنكرين لحجية المصالح وأدلة الآخذين بها، ثم نبين الرأي الراجح من هذين الرأيين، ثم نذكر بعض المسائل التي قال بها الفقهاء على أساس المصلحة.

223 -أدلة المنكرين ومناقشتها:

أ - إن الشارع الحكيم، شرع لعباده ما يحقق لهم مصالحهم، فما غفل عن مصلحة ولا تركها بدون تشريع، فالقول بالمصلحة المرسلة، يعني: أن الشارع ترك

بعض مصالح العباد، فلم يشرع لها عن الأحكام ما يحققها، وهذا لا يجوز لمناقضته لقوله تعالى:: {أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة:36] . والواقع أن هذه الحجة قوية في ظاهرها، ولكنها ضعيفة عند التأمل والتمحيص .. فالشريعة، حقًا، قد راعت مصالح العباد، وشرعت من الأحكام ما يوصل إليها، ولكنها لم تنص على جميع جزئيات المصالح إلى يوم الدين، وإنما نصت على بعضها، ودلت بمجموع أحكامها ومبادئها على أن المصلحة هي مقصود الشارع، وغرضه من وضع الأحكام. وهذا المسلك من الشريعة - وهو عدم النص على جميع المصالح - من محاسنها، لا من مثالبها، ومن الدلائل على صلاحيتها للبقاء والعموم، لأن جزئيات المصالح تتغير وتتبدل، وإن كان أصل رعايتها قائمًا ثابتًا لا يتغير. فليس من المستطاع ولا من الضروري، إذن، عد جزئيات الصالح مقدمًا وتشريع حكم خاص لكل واحدة منها على حدة.

وعلى هذا فإذا طرأت مصلحة لم يرد في الشرع حكم خاص بها، وكانت ملائمة لتصرفات الشارع واتجاهه في رعاية المصلحة، ولا تخالف حكمًا من أحكامه، فمن السائغ إيجاد الحكم الذي يحقق هذه المصلحة، ولا يكون هذا افتئاتًا على حق الشارع في التشريع ولا يدل على ترك الخالق لخلقه سدىً، لأنه هو الذي أرشدنا إلى رعاية المصالح والأخذ بها.

ب - المصالح المرسلة مترددة بين المصالح المعتبرة وبين المصالح الملغاة، فليس إلحاقها بالمصالح المعتبرة أولى من إلحاقها بالمصالح الملغاة، فيمتنع الاحتجاج بها دون شاهد بالاعتبار يدل على أنها من قبيل المعتبرة دون الملغّية (1) .

وهذه الحجة ضعيفة أيضًا، لأن الأصل الذي ابتنت عليه الشريعة هو رعاية المصلحة، والإلغاء - أي إلغاء المصلحة - هو الاستثناء. فإلحاق المصالح المسكوت عنها، الظاهر صلاحها، بالمصالح المعتبرة أولى من إلحاقها بالمصالح الملغاة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت