فهرس الكتاب
الذاتية التي لا تنفك عنه: كالزنى، وتزوج المحارم، وأكل الميتة وبيعها، والسرقة وقتل النفس بغير الحق، ونحو ذلك مما حرم لذاته وعينه.
وحكم هذا النوع: أنه غيرمشروع أصلًا، ولا يحل للمكلف فعله، وإذا فعله
لحقه الذم والعقاب، ولا يصلح ان يكون سببًا شرعيًا تترتب عليه أحكامه، وإذا كان محلًا للعقد بطل العقد، ولم يترتب عليه اثره الشرعي.
فأكل الميتة محظور على المكلف، لا يحل له فعله، والسرقة لا تكون سببًا شرعيًا لثبوت الملك، والزنى لا يصلح سببًاشرعيًا لثبوت النسب والتوارث، والميتة إذا كانت وحلًا لعقد البيع بطل العقد، ولم يترتب عليه ما يترتب على البيع الصحيح المشروع، وعقد النكاح إذا كان محله أحد المحارم مع العلم بذلك، كان العقد باطلًا، ولم يترتب عليه شيء مما يترتب على عقد النكاح الصحيح: من ثبوت النسب والتوارث والحقوق بين الطرفين والحل بينهما، بل يعتبر الدخول زنى.
34 -ولكن قد يباح بعض أنواع المحارم لذاته عند الضرورة، لأن تحريمه كان بسبب مفاسده الذاتية المعارضة لحفظ الضروريات الخمس: وهي حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال، فالميتة يحل أكلها عند خوف الهلاك، والخمر يحل
شربها دفعًا لهلاك النفس، لأن حفظ النفس ضروري، فكان لابد من تحصيله بإباحة المحرم.
35 -المحرم لغيره:
وهو ما كان مشروعًا في الأصل، إذ لا ضرر فيه ولا مفسدة، أو أن منفعته هي
الغالية، ولكنه اقترن بما اقتضى تحريمه: كالصلاة في الأرض المغصوبة والبيع وقت نداء الجمعة، والنكاح المقصود به تحليل المطلقة ثلاثًا لمطلقها، والنكاح مع الخطبة على خطبة الغير، والطلاق البدعي، وبيوع الآجال، أو ما يسمى ببيوع العينة التي يقصد بها الربا ونحو ذلك مما عرض له التحريم لأمر خارج عن ذات الفعل، فليس التحريم لذات الفعل: لأن الفعل بنفسه خال من المفسدة والضرر، ولكن اتصل به ما جعل فيه مفسدةً وضررًا.
فالصلاة بذاتها مشروعة، فهي واجبة، ولكن لما اتصل بها محرم وهو الغصب جاء النهي عن الصلاة في الأرض المغصوبة.
والبيع بذاته مباح، ولكن وقوعه وقت النداء للجمعة جعل فيه مفسدة التعويق عن السعى الى أداء فريضة الجمعة، فجاء النهي عنه.
والنكاح بذاته مشروع، فهو مباح أو مندوب، ولكن وقوعه مع الخطبة على خطة الغير جعل فيه مفسدة إيذاء الغير وما ينتج عنه من عداوة وبغضاء، فنهى الشارع عنه.
والنكاح لغرض التحليل، فيه مفسدة، التلاعب بلأسباب الشرعية واستعمالها في غير ما وضعت له، قكان منهيًا عنه لهذا السبب.
36 -وحكم هذا النوع من المحرم يقوم على أساس نظرتنا إليه (0) فالمحرم لغير. مشروع من جهة أصله وذاته، وغيرمشروع من جهة ما اتصل به من أمر محرم.
فمن الفقهاء من غلب جهة مشروعية أصله على حرمة ما اتصل به، فقال: إنه يصلح سببًا شرعيًا، وتترتب عليه آثاره، وإن كان منهيًا عنه ياعتبار ما اتصل به،
ولهذا يلحق فاعله الاثم من هذه الجهة لا من جهة إتيانه الفعل نفسه.